إبراهيم الهوارى يكتب : لماذا هُمّش فكر «مالك بن نبي» في الجزائر؟

أزهد الناس في عالم أهله» هكذا جاء في الحكم، و«لا كرامة لنبي في قومه»، كما ورد في بعض الصفحات الإنجيلية، إنها العبارات التي تليق بالكثير من العلماء والمفكرين عبر التاريخ، وليس مالك بن نبي مُفكّر الحضارة في العصر الحديث بدعًا من هذه القاعدة ولا استثناء منها.

وكان لانتشار فكر ابن نبي أثر بالغ في الكثير من مناطق العالم، التي اعتبرت أن ما قدّمه يليق بالتجربة الواقعية، كما هو الأمر في ماليزيا وإندونيسيا، ومع ذلك قليلًا ما يرد ذكر الرجل على ألسنة الجزائريين أهل بلده.

ومع هذا النّسيان الذي طال صاحب «الظاهرة القرآنية» و«شروط النهضة»، عرفت الساحة الفكرية والثقافية في الجزائر خلال الفترة الأخيرة حراكًا واسعًا، تجاه التراث الفكري لمالك بن نبي، وحول ضرورة تبني أفكاره ونهجه فيما يُعرف بـ«نظرية النهضة» للمجتمعات النامية، أو كما أسماها هو «الفكرة الأفروآسيوية» أو الكومنولث الإسلامي.

وسنحاول من خلال هذا التقرير، تسليط الضوء على أهم الأسباب التي جعلت ظاهرة «بن نبي» لا تصنع الحدث اللازم والتأثير الفكري في شخصية المثقف الجزائري، بعد أكثر من 40 عامًا على رحيل أكثر المفكرين خلافة لابن خلدون، مثلما يصفه المفكر السعودي زكي الميلاد، في كتابه «المسألة الحضارية.. كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير؟»

ويقول المؤلف زكي الميلاد «يعد مالك بن نبي، في نظر الباحثين العرب، من أكثر المفكرين في العالم العربي تمثلًا بابن خلدون من جهة اهتماماته بقضايا العمران، والتمدن، والحضارة». وفي هذا الشأن يرى المفكر الأردني الفلسطيني فهمي جدعان أن مالك بن نبي «أبرز مفكر عربي معاصر عُني بالفكر الحضاري منذ ابن خلدون».

الاشتراكية الرسمية في مواجهة بن نبي

يعتبر الخيار الاشتراكي الذي تبنته الدولة الجزائرية بعد الاستقلال مباشرة، أحد الأسباب الرئيسة وراء انحسار فكر مالك بن نبي لدى نخب قليلة جدًا، حتى إن الندوات الفكرية لتلاميذه العرب والجزائريين، كانت تقام في بيته بوسط الجزائر العاصمة.

وعاد مالك بن نبي إلى الجزائر عام 1963 عقب الاستقلال مباشرة بعد غياب طويل عنها، حيث عُين مديرًا عامًا للتعليم العالي بوزارة الثقافة والإرشاد القومي الجزائري، لكن تحفظاته واعتراضاته على النهج والطريقة التي كانت تسير بها البلاد آنذاك، وخصوصًا ما تعلق منها باتجاه المنحى الاشتراكي، أدّى إلى توقفه واستقالته من المنصب.

وتجاهلت الحكومة في ذلك الزمن، التي عاشت فيها الجزائر مرحلة الاغتيال السياسي لمجموعة من رموز الثورة، أصحاب الشهادات والنخب بعد أن رفعت شعار «لا بطل إلا الشعب»، بالإضافة إلى تجميد جمعية العلماء المسلمين التي كان لها مساهمة في المشهد الفكري والسياسي والثقافي للجزائريين قبل اندلاع ثورة التحرير، في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954.

وقبل اختيار الاشتراكية كنهج رسمي للدولة الجزائرية من قبل الرئيس الراحل، أحمد بن بلة، وكذلك خلفه هواري بومدين، كان لمالك بن نبي موقفًا سلبيًا من الثورة الجزائرية، يقول عن ذلك عبد السلام هراس أحد المقيمين مع مالك في القاهرة: إنّ بن نبي «أبى أن يكون من الجبهة، واعتقد في رسالة وجهها إلى الرئيس بن بلة بعد الاستقلال، أن الثورة ضمت من كان مع فرنسا، وليس العكس، وحاربوا تحت رايتها لفترة من الزمن».

ولم يكن فقط بن نبي الوحيد الذي رفض الاشتراكية الرسمية للنظام، أو حاول المساهمة في التوجيه ضد ما اعتبره «خطأ ثقافيًا وفكريًا» للدولة المستقلة حديثًا، بل راح ضحية ذلك عدد كبير من المفكرين والسياسيين والأدباء والشعراء والعلماء، من أمثال البشير الإبراهيمي ومحمد شعباني وكريم بلقاسم ومفدي زكرياء وغيرهم.

النظرية التي جلبت المتاعب لبن نبي

قد لا يعرف الكثيرون أن نظرية «القابلية للاستعمار» التي تعد من أيقونات فكر مالك بن نبي، جرّت عليه الكثير من العداوات، إذ يقال إنه بهذه النظرية يُسوّغ للاستعمار الأوروبي في دول العالم الثالث، واضعًا اللوم على الشعوب لـ«قابليتها للاستعمار».

ويقول محمد شاويش، في مقال له حول نقد نظرية القابلية للاستعمار، إن هذا المصطلح والمفهوم استخدم بمبالغة كبيرة، لدعم توجهات متناقضة، وقلما تتم العودة إلى الاستعمال الأصلي لمبتكر المفهوم نفسه، وفي مراعاة الظروف الذي نشأ فيها هذا المصطلح.

شاهد أيضاً

«الإيكونوميست»: «السيسي» ليس الرجل المناسب للحفاظ على أمن ووحدة مصر

نشرت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية تقريرا حول عواقب انهيار الدولة المصرية تحت حكم نظام السيسي، وتداعيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.