اعتراف المرشد العام .. د. محمد بديع !!

اعتراف من د. بديع
فضيلة المرشد العام

….

مقصرون في حقه…
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أجزه خير ما جزيت نبيًّا عن أمته، واحشرنا في زمرته وتحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، واجمعنا به في الفردوس الأعلى، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا استطعنا أن نتعرف كيف يحبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لوجدنا أننا سنخجل من أنفسنا، ألا نبادله حبًا بحب؟!
استمع معي- أخي الكريم- إلى قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يجلس بين أصحابه فيقول لهم: “وددت لو أرى إخواني قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
قال: أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، للعامل منهم أجر سبعين منكم، فتعجب الصحابة..
قالوا: بل منهم يا رسول الله؟
قال: لا، بل منكم، فإنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون”.
تأمل معي- أخي الكريم- تعبيرات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما يقول وددت وددت.. بكلمات الشوق والحنين واللهفة يحب أن يراك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وددت لو أرى إخواني.. هذا التعبير الجميل الذي نحظى بالأخوة في سبيل الله بيننا وبين إخواننا، ثم ترتفع هذه الأخوة إلى أن نكون إخوان رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
ما أحلاها من كلمات، وما أخجلنا من أنفسنا! ألا نكون مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على هذا المستوى.. وددت لو أرى إخواني.. إن هذه الأخوة هي الرابطة المتينة القوية التي سيجمعنا بها رب العزة- سبحانه وتعالى- مع بعضنا ومع من سبقونا بالإيمان، ومع الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والرهط الكريم من الأنبياء والمرسلين.
لهذا تخيل أخي لو أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والصحابة الذين سمعوا منه هذا الكلام، قد بعثوا مرة أخرى ليرونا على حالنا هذا.. حال المسلمين.. حال الأمة.. أكانوا يشتاقون إلينا؟!
إننا لا نخجل من حالنا.. إننا لا نخاف أن يُرِي ربنا- سبحانه وتعالى- رسولنا منا ما يسوؤه.. لهذا إن استطعنا أن نغير من أنفسنا ولو شبرًا من القرب إلى الله- عز وجل- ونتقدم بالنوافل لربنا- عز وجل- حتى يحبنا، فإذا أحبَّنا ألقى المحبة في قلوب الملائكة، وعلى رأسهم جبريل، ثم أنزل حبه لنا قبولاً في الأرض.
لهذا إننا إذا أردنا أن نبادل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حبًا بحب، وجب علينا أن نتقرب إلى ربنا بشيء مما أبلغنا به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه أبواب القرب من الله، وهي كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها.
أخي الحبيب، تأمل معي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كيف يحبك.. كيف كان يشتاق إليك.. وكيف كان حرصه عليك.. إنه لم يدع لنا بابًا من أبواب الخير إلا ودلنا عليه.. إنه لم ينتظر حتى يسأله الصحابة- رضوان الله عليهم- فكان يقول لهم: ألا أخبركم؟ ألا أدلكم؟ ألا أنبئكم؟
تأمل هذا اللفظ لمن لم يسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تخيل أننا كنا في صحبته عليه الصلاة والسلام ونحن نستحيي أن نسأله؛ ولكنه يريد أن يدلنا على أبواب الخير حتى قال الصحابة- رضوان الله عليهم-: كنا نفرح بالأعراب عندما يأتون ليسألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكنا نخجل أن نسأله.
لا شك أن له هيبة؛ ولكنه يكسر هذا الحاجز، ويتخطى هذه الحجب ليقترب من قلبك ليقول لك: ألا أدلك على ما يمحو الله- عز وجل- به الخطايا؟ ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا؟ قالوا: على من يا رسول الله؟ قال: “على كل هين لين، سهل قريب”.
ألا أنبئكم.. ألا أخبركم.. ألا أدلكم.. ألفاظ تدل على الحب العميق من رسول- صلى الله عليه وسلم- لصحابته ولأمته ولكل فرد فيهم، حتى كان يمر على المرأة العجوز تسبح ربها، فتأخذ أجرًا على قدر تسبيحها، فإذا به يقول لها- صلى الله عليه وسلم-: ألا أدلك على خير مما تصنعين؟ قالت: بلى يا رسول الله! وهي تسبح بالنوى: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله.. وتنقل من هذه الكومة إلى كومة أخرى، فقال: ألا أدلك على خير مما تصنيعن؟ نعم إن ما تصنعين هو خير؛ لكنه يريد أن يكسبها أجرًا أكبر وعملاً متقبلاً عند ربه- سبحانه وتعالى- بثواب أعظم، فقالت: بلى يا رسول الله! قال: قولي: “سبحان الله عدد ما في السماء، سبحان الله عدد ما في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق”، يحسب لك هذه التسبيحة بهذه الأعداد التي لا يعلم مداها إلا الله في فترة من الزمن وجيزة، فتنالي أكبر الأجر بأقل المجهود.
انظر إلى عطفه وشفقته علينا عندما كان يقول: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة”.. صلى الله عليك يا حبيبي يا رسول الله؛أيشق علينا أن نستاك بالسواك؟! وتشفق علينا أن تأمرنا بهذا تخفيفًا على أمتك..إنه أمر سهل يسير؛ ولكن في تكراره قد تكون فيه مشقة؛ لذلك كان هذا اللفظ الرقيق الرفيق: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”، ولو أمرتنا يا رسول الله ما شق علينا؛ ولكننا رغم هذا لم ننفذ ما أمرتنا به مما وجب علينا، فنستغفر الله- عز وجل- من هذا التقصير ونعتذر إليك يا رسول الله مما بدر منا، ونسأل الله أن يُرِك من أعمالنا عندما يعرضها عليك ما يسرك، فإذا وجدت غير ذلك فاستغفر لنا ربك سبحانه وتعالى، إنه هو الغفور الرحيم.
لن أتحدث عن حبنا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكلنا يعرف أننا مقصرون؛ ولكن تعالَ انظر أخي إلى حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأمته وبكائه عندما يروي لنا هذا المشهد، يروي لنا وهو يبكي- صلى الله عليه وسلم- أن رجلين من أمته وقفا بين يدي الله- عز وجل- يوم القيامة، وكما تعودنا من كتاب الله- عز وجل- أن الحديث عن الآخرة بالفعل الماضي، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (الأعراف: 44)، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 50)، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالاً﴾ (الأعراف: 48).. كلها في الماضي.. ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل: 1)؛ لذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يروي لك المشهد الذي سيحدث يوم القيامة وكأنه قد حدث، وكأنه قد رآه وهو يبكي، وهو ينقل هذه الصورة إلينا لعلنا نبكي نحن أيضًا على حالنا؛ إنما هو يبكي على حال أمته عندما يقف رجلان من أمته بين يدي الله- عز وجل- هذا صاحب حق عند أخيه المسلم وأخوه المسلم يرفض أن يعطيه حقه؛ لأنه إذا أعطاه حقه من حسناته نقصت كفة حسناته، فرجحت كفة السيئات، فطرح في النار، وصاحب الحق يريد أن يأخذ الحق ما له عند أخيه ليثقل به ميزان حسناته، فيدخل الجنة..
تصور هذا المنظر، وتخيل نفسك مكان واحد منهما؛ ماذا يكون حالك؟ والرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يروي لك المشهد وهو يبكي! ما يبكيك يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟! يبكيه أننا لم نعمل حساب هذا اليوم.. يبكيه أننا لم نفرط في حسنة سنحتاجها بين يدي الله- عز وجل- ونريد أن نأخذها ولو من أحب الناس إلينا، والرسول- صلى الله عليه وسلم- يشفق على حال الاثنين، ولا يملك لهما من أمرهما شيئًا.
ولكن ربك- عز وجل- الرءوف الرحيم، الذي أفاض من رحمته على حبيبه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بوصفه له: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)، وأفاض على الدنيا كلها، فأنزل جزءًا من مائة جزء من الرحمة تتراحم بها كل المخلوقات، وادخر تسعة وتسعين جزءًا من الرحمة ليوم القيامة.
من مشهد هذا الحال، ومشهد الرحمة التي يتفضل بها رب العزة على الرجلين، فيقول لصاحب الحق.. يعطيه قصرًا في الجنة.. لا يجبره على التنازل عن حقه عند أخيه إلا بأجر ليكون هو صاحب الحق في التنازل، فيقول له: انظر لهذا القصر في الجنة، فيقول: يا رب، لمن هذا؟! فيقول له: لك، إن عفوت عن أخيك.
هذا هو ما كان يتمناه، إنه يريد أن يأخذ حقه من أخيه ليدخل به الجنة، وأخوه يخاف أن يعطيه حقه حتى لا يدخل النار، وإذا برب العزة ذي الجبروت والملكوت، ذي الفضل العظيم، يعطي من فضله وكرمه لصاحب الحق قصرًا في الجنة ليتنازل عن حقه طواعيةً لأخيه.
فإذا به يقول: يا رب، قد عفوت عنه، هذا ما كنت أتمناه؛ أن أدخل الجنة.. فإذا تحقق دخول الجنة من غير هذا الطريق فبها ونعم.. فإذا برب العزة- سبحانه وتعالى- والرسول ينبئنا أن هذه هي الجائزة، فيقول له: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة.

شاهد أيضاً

حالة من الغضب تسيطر على مغردي مواقع التواصل بسبب إعدامات القضية (108) عسكرية

سيطرت حالة من الغضب الشديد، على مغردي مواقع التواصل الإجتماعي، عقب الحكم بإعدام 14 بريئا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *