لماذا الآن؟ … بقلم: الأستاذ إبراهيم منير – نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

سؤال يتطلب الإجابة وتدور حوله بعض التحليلات السياسية عند استقبال قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بنقل سفارة بلاده لدى الكيان الصهيوني إلى القدس، وهو الذي وصفته بعض الأوساط الأمريكية مع نزواته الغريبة في بداية حكمه بأنه (ثور هائج في محل زجاجي).
الإجابة على هذا السؤال: لماذا الآن؟ .. لن يقف أمام الاعتراضات التي توالت وستتوالى ابتداءً من داخل البيت اليهودي نفسه مع الطائفة التي ترى في هذا القرار خطرا يمس اليهود حسب اعتقادهم، وترى فيه ظلما لا تقبله ولا يقبله الدين ولا التاريخ ولا الإنسانية، ويتطابق موقفها مع الأصوات داخل التحالف الغربي من الحلفاء التاريخيين أنظمة وهيئاتً وشعوبا، وداخل الساحات الإسلامية والعربية باستثناء بعضها الذين لم تعد مؤامراتهم على القدس خافية وبالمتاجرة بها وادعاء النصرة الكاذبة لها والحرب الشرسة على معارضي سياساتهم وقمعهم بالحديد والنار وتشويه أفكارهم .. بل ونكران قدسية الموقع نفسه.
لماذا الآن؟ .. ستتراكم الإجابات بدءً من محاولات هروب (الثور الهائج) الذي لا يزال البعض داخل الولايات المتحدة لا يتصور أنه قد وصل إلى رئاستها، ورئيس الكيان الصهيوني (نتنياهو) من اتهامات بالفساد المالي والكذب التي تلاحق كل منهما أملا في أن تكون هذه الخطوة طوق نجاة يأتيهم من شياطين الإنس والجن، وانتهاءً بما تحفل به وما أعطتها الإرادة الإلهية من قدسية وتاريخ، وما سال في سبيل هذه القدسية من دماء ومعاناة ترث الأجيال المؤمنة المتعاقبة أماناتها أملا في أن تنعم بالوصف الإلهي الذي جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى (.. فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا).
ونبقى مع الرسائل التي يعمل الجميع على طمسها:
أولاها: إلى من يحاول طمس تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في نصرة القضية، وما دفعته وتدفعه من ثمن في سبيلها طوال أكثر من 70 عاما لاتبغي منه غير وجه الله سبحانه وتعالى وذلك بداية من الانتباه لمجرياتها في الثلاثينيات من القرن الماضي، ثم مشاركة الجماعة في التصدي للعصابات التي وردت من خارج فلسطين في الأربعينيات ومشاركة الجماعة ورموزها مع مجاهدين من داخل فلسطين وخارجها في نصرتها مع جيوش رسمية عربية بدأت معاركها في النصف الأول في 1948م وكادت أن تحقق النصر قبل أن تُفْرض ما يقال عنه المعاهدة الجبرية في رودس (جزيرة يونانية) عام 1949م، لولا خيانة الأنظمة العربية وأعظمها كبرا في الخيانة النظام المصري الذي أصدر أمرا عسكريا لجيشه على الأرض في فلسطين باعتقال المجاهدين من الجماعة الذين كانوا سندا لهم، ثم قام النظام نفسه على الأرض بحل الجماعة واعتقال أعضائها ومطاردتهم متجاوزا القوانين المتعارف عليها على الأرض ليجري التاريخ بما جرى به من سوء وخيانات تحت مسميات عدة وينعم الكيان الجديد في فلسطين بأمن يقوم عليه جيرانه العرب قبل غيرهم.
ثانيها: إلى الإخوة والأخوات وراء قضبان سجون العسكر في مصر الذين يدفعون الآن ثمن الدفاع عن هذه القضية كما دفعها إخوانهم وأخواتهم من الأجيال السابقة وعلى رأسهم مرشدها الأول الإمام الشهيد حسن البنا.
فكما جرت المؤامرة على جيل الأربعينيات من القرن الماضي فإنها تجري عليهم الآن مع كل توسع يقوم به النظام الصهيوني على أرض فلسطين.
ففي الخمسينيات وبعد ما قيل عنه (ثورة يوليو) بدأ التفريط في أرض مصر بترك مدينة الرشراش على رأس خليج العقبة لإسرائيل لتقيم عليها ميناء إيلات، ومع اكتمال استعداد الكيان المزروع على أرض فلسطين حدثت أحداث 1954م بادعاء كاذب بأن جماعة الإخوان المسلمين كانت تريد قتل قائد الانقلاب العسكري وبمحاكمات هزلية عسكرية قدّم نفسه على أنه المنقذ والحريص على مصر،

وتجري الأحداث على الجماعة مرة أخرى كما جرت في عهد الحكم العسكري 1948م بالحرب على جماعة الإخوان المسلمين والإعدامات والاغتيالات والسجون لتأتي أحداث عام 1956م تحت مؤامرة تشترك فيه دولتان مع الكيان الصهيوني تغطية لخيانة العسكر فتترك له شبه جزيرة سيناء كاملة ويُفْتح له خليج العقبة ليواصل امتداده إلى إفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وتأتي النكبة الثالثة وبعد أن يتم الكيان الصهيوني استعداده فيقوم النظام العسكري وبدعاية كاذبة هائلة باتهام جماعة الإخوان المسلمين باستهدافه واستهداف نظامه وخيانة فلسطين وآمال الأمة بالقومية والناصرية، وبعد أن استهلك قوى جيشه في حرب على أرض اليمن لمدة أكثر من أربع سنوات، ليعلن بنفسه حربا على الكيان وتجري الأحداث العسكرية وتفقد الأمة العربية في أقل من ست ساعات الضفة الغربية والجولان وخليج العقبة وسيناء، ويشاء الله سبحانه وتعالى أن تكون جماعة الإخوان المسلمين بما أراده لها سبحانه من قدر بوجودها خلف القضبان والمطاردة بريئة من هذا الإثم كما تم مع النكبتين السابقتين لها.
ونصل إلى النكبة الرابعة بعد زلزال وصول أول رئيس مصري لا يقبل بالخيانة والتفريط في الأرض عام 2012م فيأتي الانقلاب العسكري الذي حدث في 2013م بعد حرب شرسة نفسية وإعلامية تكاثفت لها كل الدنيا لإسقاطه ومطاردة جماعته والأحرار الذين استفاقوا في مصر من سحر العسكر الفراعنة، لتحدث الخيانات الواضحة بالتفريط في الأرض والعمل بجيش مصر ومقدراتها على التمهيد لما يُقال عنه صفقة القرن وينشط الكيان الصهيوني في ابتلاع أرض فلسطين بالمستوطنات والزحف نحو القدس حتى تأتي هذه الساعة التي تسعى فيها الإدارة الأمريكية في تقنين الاستيلاء على المدينة وجعلها عاصمة لهذا الكيان متغافلة عن كل القوانين والآراء التي ترفض هذه الخيانة.
ويأتي قدر الله مرة أخرى لتكون جماعة الإخوان المسلمين والأحرار برءاء من هذا الإثم، ورسالة إلى الإخوة والأخوات الصامدين الصابرين المصابرين خلف قضبان السجون وفي المنافي الثابتين على الحق من كل الطوائف نقول .. حسبكم شرف الجهاد في سبيل الله الذي تنالونه الآن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لأصحابه: (إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا. حبسهم العذر) وفي رواية أخرى (إلا شاركوكم في الأجر).
ثالثها: إلى الإخوة والأخوات الذين طال بهم أمر الوقوف خارج الصف مع ما يجري من أحداث .. ألم يأني الأوان للعودة؟ ونذكرهم كما نذكر من هم ما زالوا في الصف بمقولة الإمام الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله (إن لم تكونوا بها فلن تكونوا بغيرها).
الوقت لا يسمح والنصر له أحكامه، وأمانات هذا الدين سيحفظها الله بنا وبكم أو بغيرنا وغيركم.
رابعها: إلى أولئك الذين شاركوا بعلم أو بغيره داخل مصر وخارجها في طعن ثورة مصر وجماعة الإخوان المسلمين وتشويه مواقفها وتاريخها وكانت أوجعها طعنات الأصدقاء التي تأتي من الظهر، ولم يصدر من بعضهم حتى الآن كلمة حق دفاعا عن مظالم ودماء تهدر وأعراض تنتهك، وبراءة من نظام لم تعد خيانته لقضية العرب والمسلمين والإنسانية كلها على أرض فلسطين خافية.
وأمام حقائق التاريخ والهجمة الجديدة على القدس التي يذرف البعض عليها دموعا لا فائدة منها .. إلى كل هؤلاء نقول أن الموقف أمام الله سبحانه وتعالى أقرب وأقصر مما نظن جميعا .. لا نطلب إنصافا لنا ولا لبشر ولا لقضيتنا ولا لقضية القدس .. فما زلنا نشعر أن من ينصر هذه القضية سواء كان في السجن أو غيره فهو الأقوى بإذنه سبحانه، فهو عز وجل نعم الوكيل .. وإنما هي النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم وأملا في أن يسبق الخير الشر، وأن يثقل أمام الله سبحانه وتعالى في هذه الأمة ميزان الخير، وأمامنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سألته السيدة سلمة رضي الله عنها، يارسول الله انهلك وفينا الصالحون؟
قال: نعم، إذا كثر الخبث.
ولا حول ولا قوة إلا بالله
والله أكبر ولله الحمد
التاريخ: 17 ربيع أول 1439 ه الموافق 6 ديسمبر 2017م

 

شاهد أيضاً

القوات التركية الخاصة في عفرين مدربون على مقاومة التعذيب ويتواصلون بلغة خاصة

في الوقت الذي بدأت قوات من الجيش السوري الحر صباح الأحد 21 يناير/كانون الثاني عملية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *