إنها دولة العسكر أيها الأبله! .. سليم عزوز

بقلم / سليم عزوز

لا أعرف ماذا في تسريبات جريدة “نيويورك تايمز” يدفع البعض إلى عدم تصديقه، ومن ثم إثارة الغبار حوله، دفاعاً عن أوضاع مقلوبة، تعيشها منذ مصر الانقلاب العسكري، بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، بعد أو فر له “هلافيت السياسة” غطاء مدنياً!

فليس “ضياء رشوان”، رئيس هيئة الاستعلامات، وحده، الذي تمدد بالحرارة وانكمش بالبرودة، من أجل أن يبرئ ساحة النظام من الجريمة، فهناك آخرون من دونه فعلوا ما فعل، وكأنهم ينافسونه على المنصب، وبحث عن موقع في “حظيرة السلطة”، ليكون الأداء في النهاية شبيهاً بمن قيل له أن زوجتك على علاقة بسيد الكهربائي، فأقسم أنه ليس كهربائيا ولا يفهم في “صنعة الكهرباء”!

ماذا في تسريبات جريدة “نيويورك تايمز” يدفع البعض إلى عدم تصديقه، ومن ثم إثارة الغبار حوله، دفاعاً عن أوضاع مقلوبة، تعيشها منذ مصر الانقلاب العسكري؟

قال رئيس هيئة الاستعلامات، إنه لا يوجد ضابط في المخابرات الحربية يحمل هذا الاسم، فذكرني بواقعة محاكمة رئيس تحرير جريدة “البلاغ”، عندما اعترف أمام المحكمة أن ضابطاً بمباحث الآداب هو من أمده بخبر توقيف ثلاثة من الفنانين في قضية شذوذ، فردت وزارة الداخلية بخطاب رسمي، بأنه لا يوجد لديها ضابط يحمل هذا الاسم!

من قاموا بإنكار صحة التسريبات، قدموا عدة دفوع هي:

أولاً: أن هذا الأداء البائس لا يليق بضابط يعمل في المخابرات الحربية، فيتصل بالهاتف، ويدخل في جدل ونقاش مع من يصدر لهم الأوامر!

ثانياً: أن هذا الضابط صغير في الرتبة، فكيف به يصدر التوجيهات على هذا النحو؟

ثالثا: أن من ساقوا الدفع السابق، هم أنفسهم من وقعوا في تناقض؛ عندما هونوا من قيمة من تحدث معهم هذا الضابط، فمن هم وما هو تأثيرهم؟!

رابعاً: في الموضوع، فإن هناك من ذهب إلى أن مصر لا يمكن أن تلعب هذا الدور، وتوافق على التفريط في الحقوق الفلسطينية، حد أنها ترفض المقاومة باعتبارها تصب في صالح حركة حماس، أو تقبل برام الله عاصمة لفلسطين بديلاً عن القدس، وأن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأن تعمل على إقناع الرأي العام بأن قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل أمراً واقعاً!

ولا شك في أن هؤلاء يتحركون بدوافع الخيال الخصب في النظر للضباط وكفاءتهم، فيعتبرون هذا الأداء لا يليق بضابط يعمل في جهاز مخابرتي رفيع، وهو خيال لا يحكم اتجاهاً بعينه، فهو يحكم الجميع. ولا ننكر أن من بين أنصار الشرعية، من كانوا يبررون الخديعة التي وقع فيها الرئيس المنتخب بأنها قدر؛ لأنه يتعامل مع “عقلية معملية فذة”، صاحبها رجل مخابرات، وهو عبد الفتاح السيسي. ولأنه كلام في مجال التبرير للهزيمة، فلم يقف هؤلاء أمام أداء بائس لضباط كبار عملوا في هذه الأجهزة، ومنهم من قال إن زراعة الموز كفيلة بإنزال المطر، ولماذا ننسى صاحب مقولة أن الرباعية “واحدة ست” قدمت خدمات لبلدها استحقت عليها جائزة نوبل؟!

ومهما يكن، فقد بح صوتي في محاولة إفهامهم أن عبد الفتاح السيسي ليس رجل مخابرات، فقد عمل في سلاح المشاة، قبل أن يلتحق بمكتب وزير الدفاع، وكل خبرته المخابراتية لا تتجاوز العام فقط، هو الذي تولى فيه منصب مدير المخابراتية الحربية!

في الحديث عن أداء الضابط مصدر التوجيهات لثلاثة من الإعلاميين + الفنانة يسرا، انقسم المشككون في التسريبات إلى قسمين:

الأول: قال بعدم معقولية أن يصدر التعليمات صاحب رتبة صغيرة (مجرد نقيب). والقسم الثاني: انصب تشكيكه على أن يستخدم الهاتف في وسيلة للتعامل مع القوم، وهؤلاء منهم من لم يستوعب أن يدخل في حوار مع من هم على الجهة الأخرى؛ لأن فكرتهم عن الضباط لا تتجاوز حضرة “الضابط النابتشي” في المخفر، عند تعامله مع متهم بسرقة “غسيل الجيران”، فكان ينبغي أن يطلب من مفيد فوزي مثلاً، أن “يقف انتباه”، وأن يؤدي له التحية العسكرية، وإلا فالأمر لا تستسيغه عقولهم!

من نظروا للأمر من زاوية كيف لضابط صغير أن يصدر التوجيهات، فاتهم أن اتصاله بهؤلاء لا يعني أنه من يضع سياسات الدولة ويصدر توجيها بها، ولكن قد يكون مجرد “ضابط اتصال”، ومجرد ناقل للتوجيه، وقد يكون هناك إعلاميون تتصل بهم رتب أعلى!

ومهما يكن، فهل ينكر هؤلاء وبعضهم يعمل بالصحافة، أن من كان يدير مكتب الصحافة في أمن الدولة، هم من أصحاب الرتب الصغيرة، ومع ذلك كانوا يؤثروا في شؤون الصحافة والنقابة، وإن لم يصل الأمر إلى هذا الأداء الارتجالي، الذي يستحق الوقوف عنده!

فمنذ إعلان انتهاء دولة المخابرات بعد هزيمة يونيو 1967، وجهاز أمن الدولة من يحكم على الأرض، وهو ما حدث بشكل واسع في عهد مبارك، وإن كان جهاز المخابرات العامة مجاله الحيوي بالخارج، ويتدخل في بعض الملفات الداخلية، ربما من زاوية المعلومات ليس أكثر. وكان هذا الحضور الكبير لجهاز أمن الدولة التابع لوزارة الداخلية؛ سبباً في اقتحام مقاره بعد الثورة. وكان الثوار قد دعوا ولم يكونوا فاعلين أصليين في عملية الاقتحام هذه، فقد تلاقت الإرادات على كسر هذا الجهاز، وبسبب تحويله كل الحياة السياسية والدينية والاجتماعية إلى ملفات أمنية، ثم أساء استخدام السلطة إلى حد كبير. وفي الاقتحام كان كل يغني على ليلاه، فالقادة العسكريون كانوا يبحثون عن ملفاتهم.

وفي اليوم الأول للثورة، كان الخلاف على من يرث الدور المغري لأمن الدولة، وعن طريق ولي أمره المشير محمد حسين طنطاوي، تمكن مدير المخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي من أن يحل بجهازه محله!

ونظراً لانعدام الخبرة، فقد كان التعامل بالهاتف، وهو أمر لم يكن ليقدم عليه أصحاب الخبرة، الذين يمكنهم استدعاء المطلوبين لمكاتبهم، ليس خوفاً من التنصت على الهواتف، ولكن لأن الاتصالات الهاتفية ليست منجزة في مثل هذه الأمور، وفي قضية كهذه!

أما الحديث عن قيمة الإعلاميين ومدى تأثيرهم، لتهتم الأجهزة الأمنية بتوجيههم، فقد فات المشككون، أن كل نظام يختار رجاله على مستواه، وأن الانقلاب العسكري حرص منذ البداية على أن يحيط نفسه بأصحاب القامات المنخفضة، فأهل الحكم هم نتاج “ثورة” ملهمها اللوذعي “توفيق عكاشة”، ويحتفون بأحمد موسى، ويدفعون بأماني الخياط وأمثالها لتخطي الرقاب.

الاختلاف هو في الشكل اذن، لكن في الموضوع فلا يختلف اثنان ولا تتناطح عنزان، في أن الإعلام المصري يعمل بالتوجيه. فكل الإعلام خاضع للسلطة، إما بالملكية أو بالإخضاع، واستمعنا من قبل إلى خطة بالتوجيه يقوم بها “عباس كامل”، واستمعنا إلى أوصاف الازدراء التي يطلقها عليهم فـ”البت عزة” و”الواد الحسيني”، وقد أناط بنقل التكليف إلى ضابط من أصحاب الرتب الصغيرة. وينسى بعض الصحفيين أن ضابطاً بذات رتبة “النقيب أشرف”؛ تولى موقع نقيب الصحفيين بعد حركة ضباط الجيش في سنة 1952، هو الضابط “صلاح سالم” الذي شغل أيضاً منصب وزير الإعلام، كما أن “صولات” لا يحملون الرتب هم من كانوا رقباء بدور الصحف، يتدخلون في المنشور، فيحذفون مقالات كبار الكتاب أو يمنعون نشرها!
وفي الموضوع أيضاً، فليس هناك جديد في التوجيه، فهذا هو موقف دولة العسكر من القضية الفلسطينية، فهم ومنذ عهد مبارك يناصبون الانتفاضة العداء، ويحاصرون غزة لإجبار أهلها على التسليم. وفي كل مرة يتم فيها الاعتداء الإسرائيلي على القطاع، فإن الاعلام المصري يتولى التحريض على المقاومة وعلى حماس، فما الجديد في التسريبات؟!


أما الموقف من القدس، فقد أذيع أمريكياً أن ترامب قبل إقدامه على اتخاذ قراره حصل على موافقة القاهرة والرياض، كما أذيع أردنيا أن مصر تحفظت على عقد القمة الإسلامية. وقد شاهدنا التمثيل المصري المنخفض في هذه القمة، بل والتمثيل العربي بشكل عام، لا سيما في الدائرة الإقليمية التي تتحرك فيها مصر- السيسي!

 

وقد كان الموقف في جملته يسير في سياق “التوجيه العسكري”، فمصر تلجأ إلى مجلس الأمن لإدانة القرار الأمريكي، ربما لتقطع الطريق على آخرين، ثم تحرص على وجود ثغرة بعدم إدراج اسم أمريكا في البلاغ لتمنعها من استخدام حق الفيتو، فيكون الموقف: لقد عملنا ما علينا. وفي المقابل فإن الإجراء لم ينصف حقاً، ولم يواجه معتدياً، تماما كما التوجيه باستنكار القرار، وفي الوقت ذاته الدعوة للتسليم بالأمر الواقع، والترويج بأن رام الله بديلاً للقدس!

الغريب، أن هناك من يريدون التعامل بالمنطق في سلطة اللامنطق، فيتساءلون بغباء منقطع النظير عن قيمة الفنانة يسرا في أمر كهذا، فاتهم أن المنطق لقي حتفه في مصر في ظروف غامضة، ومنذ بدء الخليقة العسكرية، والقوم لديهم تقدير متجاوز لقيمة الفنانات، فيتم توظيفهن لخدمة أغراض الحكم، وإن كانت “يسرا لا تميز بين “رام الله” و”كفر طحانوب”!

إنها دولة العسكر أيها الأبله!

شاهد أيضاً

ميركل لأردوغان: قوة الاقتصاد التركي مهمة لألمانيا

أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن قوة الاقتصاد التركي مهمة بالنسبة إلى بلادها. جاء ذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *