وائل قنديل يكتب: لا تحسبوا نتائج “المسرحية” على ثورة يناير

فلما جاء العيد السابع لثورة يناير المصرية، لم يجد أحداً بانتظاره، إذ كان القوم منشغلين وغارقين، حتى الأذقان، في الاستعداد لملاعبة وملاطفة الثورة المضادة، وانقلابها العسكري، في مباراةٍ انتخابية، ليس فيها من رائحة الانتخابات الحقيقية شيء.

نظام الثلاثين من يونيو يجدّد بيت الحكم، من دون تغيير محتمل في السكان، فقط يجري عملية تهوية للمقر، فيخرج إلى ساحة الانتخاب، ينتقي منافساً، أو أكثر، يمارس معه، وبه، وعليه، بعض التمارين الخفيفة، إلى حين تجديد “وتنجيد” أثاث المقر، ليعود مقدّماً نفسه إلى العالم باعتباره سلطة جديدة منتخبة، فازت بسباق تحكمت في كل ظروف إقامته.

من بقي من أهل الخامس والعشرين من يناير خارج السجون والقبور مشغولٌ، هو الآخر، بمعاركه وتسريباته وتجديد أثاث المنفى، ولا بأس من ممارسة رياضة الركض خلف ظل جنرال متقاعد، هنا أو هناك، يناور بخوض الانتخابات، من أجل الحصول على ترضيةٍ من معسكر السلطة، أو إغلاق ملفات قضايا مفتوحة، وإسكات أبواق إعلامية مسعورة، تواصل نهشه، حتى تصدر الأوامر بالسكوت.

ما جرى مع الفريق أحمد شفيق يجري الآن مع الفريق الأكبر سامي عنان، من دون زيادة أو نقصان، على مستوى المقدّمات، تلميحات خجولة بالرغبة في منافسة عبد الفتاح السيسي، يعقبها اشتعال آبار السفسطة، بين معارضةٍ كسولةٍ تنبش في الأرشيفات القديمة جداً، وتأتي ببعض المحفوظات المعلبة عن تجارب في أماكن وأزمنة وسياقات تاريخية وسياسية أخرى، من تركيا (ما بعد أتاتورك) وتشيلي والأرجنتين، ثم تسقط التاريخ على الحاضر، وتوزّع الألقاب والتوصيفات على جنرالات السياسة، فهذا تورغوت أوزال، وذلك الزعيم اللاتيني الملامح، وذاك سوار الذهب الذي تنادي عليه اللحظة الراهنة لكي يغير وجه المستقبل. وفي نهاية المطاف، يستقر الجنرال من هؤلاء في بيته الفخيم، مستمتعاً بشيخوخةٍ هادئة، وإطلالةٍ محايدةٍ على الواقع من شرفته.

في غضون أسابيع قلائل، هبط أحمد شفيق من مرتبة الزعيم السياسي، المنقذ، إلى متقاعد عجوز في “فيلا” تولت تجديدها السلطة يرأس حزباً من مختلف الرتب العسكرية، ثم أخيراً يتحول إلى معتزل، بعد التخلي، كرهاً أو طوعاً، عن رئاسة حزبه، يطالع صفحة الوفيات في “الأهرام” ويرصد مناسبات الأسبوع الاجتماعية، التي يمكنه حضورها.

على هذا النحو، انتهت فقرة أحمد شفيق، لتبدأ فقرة سامي عنان، إعلان على صفحة “فيسبوك” لأحد المقربين منه، يقول إن الفريق ينتوي خوض الانتخابات، ليمضي أسبوع كامل والفريق صامتٌ لا يعلن موقفاً، فتدور مجدّداً ماكينات الحفر في أرشيف مراحل التحول، لتخرج بهتاف: عنان هو الحل، وتعود مجدّداً أشباح أوزال وسوار الذهب، ويندفع طوفانٌ من التحليلات والإسقاطات والتوقعات والسيناريوهات الخاصة بالجنرال العائد، بينما تقول الوقائع إن أقصى ما يطمح إليه عنان لا يزيد كثيراً عما حصل عليه شفيق.

تذكّرك هوجة سامي عنان باشتعال حقول الثرثرة قبل عامين، في مثل هذه الأيام، بظهور المشير العجوز، حسين طنطاوي، بملابس رياضية، يتجول بسيارته في ميدان التحرير، ليطلق المعلقون لخيالهم العنان، حتى يذهب بعضهم، بمنتهى الخفّة، إلى أن ظهور المشير العجوز يعني العد التنازلي لأفول نجم المشير الصغير، الجالس في قصر الحكم.

في الأثناء، يتلقف إعلام السيسي ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، منتصف يناير/ كانون الثاني الجاري، لينقل الحوار كله إلى أوجه الشبه بين عبد الناصر والسيسي، وتجري ما يمكن وصفها بعملية “نصرنة” لعبد الفتاح السيسي. وفي المحصلة يختفي الكلام عن ثورة يناير 2011، وتحضر ثورة يوليو 1952 بوصفها الثورة التي لم تأت بعدها ثورة إلا تلك المضادة في 30 يونيو 2013 بقيادة السيسي، وبمعاونة نجوم أفيش يناير، الذين قرّروا إضرام النار فيها، لأنها جاءت بالرئيس ذي اللحية، في أول وآخر انتخابات حقيقية في تاريخ المصريين.

من أهل يناير الآن من يخوض معركة تجديد نظام 30 يونيو بحماسٍ غريب، مقرّاً بأن فرصه في الفوز منعدمة، ومبرّره الوحيد أنها فرصة للتذكير بشعارات يناير 2011 وفتح ثغرة في جدار فولاذي يسجن المجال العام ويجففه.

ينشط هؤلاء في إقامة حائط غرافيتي طويل، يضعون عليه شعارات يناير (الثورة مستمرة.. ولساها ثورة يناير) وكفى الله الثوريين النضال، إذ ارتضوا أن ينزلوا ضيوفاً على بيت سلطة الانقلاب، بدعوة منها، وبشروطها التي تحدّد، وفق رغبتها، من الذين يمكنهم الوصول إلى مقر الحفلة.

تقول لنا الأيام إن الغرافيتي لم يصنع الثورة، بل الثورة هي التي فجرت إبداعات الغرافيتي. وبالتالي، لا يمكن النظر إلى الكرنفال الهزلي لما يسمونها انتخاباتٍ على أنه ميدان لمعركة تخوضها ثورة يناير، حتى وإن كان الساعون إلى الحضور والمشاركة منتسبين إلى يناير، التي كانت ثورة أوصلت المصريين، لأول مرة في تاريخهم، إلى تهجّي حروف لغة الممارسة الديمقراطية، كما عرفها العالم الحر، عبر صندوق الاقتراع، الحر أيضاً، لكنهم أسهموا بوعي في حرق التجربة بصندوقها، وقيمها وأخلاقيتها.

لا أحد يصادر حق خالد علي، ومن لف لفه، في الذهاب إلى”غزوة صناديق” على طريقة ما يسمى التيار المدني، لكن لا تحسبوا النتائج على ثورة يناير، فهي ليست معنيةً بهذا العبث كله.

  • مشاركة

شاهد أيضاً

رابعة .. محاكمة الضحايا لن تنجي الجناة .. قطب العربي

والغريب أن السلطة التي قتلت وحرقت الجثث، كما حرقت المسجد والمركز الطبي، تتهم المعتصمين أنفسهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *