«ذا إنترسبت»: مصر تعزز القمع بالسيطرة على بيانات مستخدمي «أوبر»

تعد القاهرة هي السوق المثالي لشركة «أوبر»، مع وجود مساحات شاسعة من الطرق السريعة المزدحمة، وقلة خيارات النقل العام، والوقود المدعوم إلى حد كبير. ويقضي القاهريون -الذين يبلغ عددهم نحو 20 مليون نسمة- الكثير من الوقت في السيارات. وقد تم إطلاق «أوبر» في مصر في أواخر عام 2014، وفي غضون عامين تقريبا، سجلت أكثر من 4 ملايين راكب وأكثر من 150 ألف سائق. لكن العمل في مصر يعني اللعب بموجب قواعد حكومة قمعية متزايدة، والآن، بموجب قانون جديد يتم تسريعه عبر البرلمان المصري، ستتمكن السلطات المصرية قريبا من الوصول إلى البيانات التي تجمعها «أوبر» حول هؤلاء الملايين من الأشخاص عبر استخدام تطبيقها.

وجاء هذا القانون بعد أن رفع سائقو سيارات الأجرة في القاهرة دعوى قضائية ضد «أوبر» و«كريم»، المنافس الإماراتي لـ«أوبر»، على أساس أن السيارات الخاصة التي تقدم الخدمة تعمل بشكل غير قانوني كسيارات أجرة. وقد انتصر سائقو سيارات الأجرة، وأمرت محكمة بتعليق عمليات الشركتين. وعلى الرغم من أن الشركتين واصلتا عملهما في الوقت الذي كانت تستأنفان فيه القرار، إلا أن القضية فرضت ضغوطا كبيرة على البرلمان المصري لإقرار تشريع لتنظيم نقل الركاب والسماح لـ«أوبر» و«كريم» بالعمل بشكل قانوني في البلاد.

عواقب وخيمة

وفي حين يبدو القانون الجديد بمثابة حل وسط مقبول بين شركة «أوبر» وسائقي سيارات الأجرة المرهقين في البلاد، فقد تكون له عواقب وخيمة على خصوصية وسلامة المواطنين في بلد سيئ السمعة بخصوص مراقبة الحكومة وقمعها. وتنص المادة 9 من التشريع على إتاحة جميع قواعد البيانات والمعلومات الخاصة التي تجمعها أوبر أو غيرها من الشركات الخاصة بالركوب للسلطات، وتتطلب المادة 10 أن يتم تخزين نفس المعلومات على الخوادم المصرية المحلية.

ووفقا لسياسة الخصوصية الخاصة بـ«أوبر»، فإن المعلومات التي تجمعها تشمل الاسم، والبريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، والعنوان، ووسائل الدفع، والمعلومات المصرفية، وأرقام التعريفات الحكومية، وتاريخ الميلاد، والصور، ومعلومات الموقع، وبعض معلومات الجهاز، وهي بيانات أكثر من كافية لرصد سلوك المواطنين وتحركاتهم عن كثب.

وفي بيان، قال متحدث باسم «أوبر»: «لم نوفر لأي حكومة إمكانية الوصول إلى بيانات الركاب». وأضاف المتحدث أن الشركة تعتقد أن «التنظيم يجب ألا يتطلب تقديم البيانات التي يمكن أن تنتهك خصوصية السائق أو الراكب».

ويترك القانون الكثير من المجال للقلق. فجميع الأجهزة الأمنية في مصر، من الشرطة المحلية إلى الجيش، لديها فروع استخبارات خاصة بها مع تفويض للمراقبة المحلية، وسيسهل مشروع القانون الوصول إلى بيانات الركاب جميعهم. ويأتي ذلك في وقت وصلت فيه مراقبة مصر لمواطنيها إلى مستويات غير مسبوقة، مبررة ذلك من وجهة نظر الحكومة بالتهديدات الإرهابية المستمرة. وتواجه مصر تمردا كاملا على حدودها مع غزة، ونشاطا مسلحا منتظما في المناطق النائية من الشرق، وهجمات تنظيم «الدولة» المدمرة ضد المسيحيين والمدنيين الآخرين خلال العام الماضي.

ويستدعي مشروع القانون «الأمن القومي» لتبرير شرط تخزين البيانات محليا. لكن «رامي رؤوف»، كبير أخصائيي البحوث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قال إن الوصول إلى البيانات يتعلق أكثر بقدرة الحكومة على «المراقبة والتحكم».

وفي الواقع، يتجاوز القانون الآليات القانونية، بما في ذلك المعاهدة القائمة بين مصر والولايات المتحدة، والتي تسمح بالفعل بالوصول إلى البيانات عبر الحدود ذات الصلة بالتحقيقات الجارية. وفي حين أن المعاهدة قد تتطلب عملية مطولة لطلب مثل هذه المعلومات، إلا أنها تضمن الالتزام بالمعايير الدولية للقانون الدولي وحقوق الإنسان لمراعاة الأصول القانونية. ومن الناحية النظرية، يجب على الحكومة الوصول إلى هذه البيانات فقط عندما يكون هناك شك معين في أن جريمة قد ارتكبت أو سيتم ارتكابها، ويجب أن يكون الطلب محددا بفرد، وضروري للتحقيق».

سوابق مريبة

وهناك سابقة كبيرة لاستخدام جهاز المخابرات في مصر المعلومات التي يمكن أن يحصل عليها في سعيه لقمع نشاط المواطنين السلمي. ففي عام 2015، استخدمت الشرطة المصرية تطبيق المواعدة «غريندر» لجذب الرجال إلى غرف الفنادق، حيث تم اعتقالهم وتقديمهم لفحوصات شرجية، وحكم عليهم بالسجن لمدد طويلة بناء على افتراضات تتعلق بميولهم الجنسية. وقد أدت المنشورات على «فيسبوك» إلى العشرات من الاعتقالات على مدار الأعوام الـ4 الماضية، بما في ذلك الأشخاص الذين دافعوا عن المظاهرات العامة، وشاب واحد نشر رسوما كاريكاتورية للرئيس بآذان ميكي ماوس (حكم عليه بالبقاء 3 أعوام في السجن بحكم عسكري، بدون فرصة للطعن).

كما قامت الحكومة المصرية بتكثيف جهودها للوصول إلى نطاق أوسع من البيانات منذ منتصف عام 2016. وكما أفاد موقع «مصدر مصر» الإخباري المستقل، فإن جهود الحكومة لاعتراض الاتصالات الآمنة والوصول إلى البيانات الجماعية بدأت بشكل جدي في أغسطس/آب من ذلك العام. ولن يمنح القانون الجديد للتطبيقات الخدمية حقا إمكانية وصول الحكومة إلى البيانات التي لم يكن بإمكانها الحصول عليها بالفعل من خلال وسائل أخرى. وأشار «رؤوف» إلى أنه بالنسبة لأي شخص يستخدم بطاقة هاتف جوال محلية، فإنه «بدون أي تعقيد وتكنولوجيات معقدة، يمكن للسلطات أن ترى حرفيا أين أنت وكيف تتحرك، وغيرها من تفاصيل الاتصالات والمعاملات المالية».

لكن تقنين الوصول السهل إلى كمية ونوعية المعلومات المخزنة على خوادم «أوبر» أمر استثنائي. وحتى قبل قرار المحكمة لصالح سائقي سيارات الأجرة، كان من الواضح أن الحكومة المصرية تريد بيانات «أوبر». وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت العام الماضي أن الحكومة المصرية طلبت الوصول إلى برمجيات «أوبر» التي تقدم عرضا مباشرا لبيانات المستخدمين ونشاطهم في أواخر عام 2016، لكن «أوبر» رفضت الامتثال في النهاية. ويمكن للقانون الجديد أن يجبرهم فعلا على فعل ذلك، وقد يضع سابقة جديدة مزعجة في هذا الأمر.

ويحذر «رودريغز»: «قد تكون أوبر اليوم. وغدا تكون غوغل وفيسبوك و أي تطبيق مشهور في مصر. وسيعوق هذا أيضا الابتكار».

وكما تحتاج «أوبر» إلى سوق القاهرة، تحتاج القاهرة إلى استثمارات «أوبر»، ويمكن للشركة الاستفادة من قوتها الاقتصادية لمواجهة القانون. ولقد بدأ الاقتصاد المصري يتهاوى في الأعوام الأخيرة، وقد تم الترحيب بالاستثمار الأجنبي كفرصة إنقاذ. وكانت «أوبر» قد أعلنت عن استثمار بقيمة 20 مليون دولار في مركز للدعم في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

ولا تُعرف «أوبر» كمدافع كبير عن الخصوصية، فقد تعرضت الشركة لانتقادات في الماضي لاستمرارها في تعقب الركاب بعد إنزالهم، ومراقبة المنافسين، والتحقيق ضد الصحفيين الناقدين. وكجزء من التسوية مع لجنة التجارة الفيدرالية في العام الماضي، وافقت «أوبر» على إجراء عمليات مراجعة منتظمة من أجل معالجة فشلها في حماية المعلومات الحساسة عن سائقيها وركابها.

لكن في هذه الحالة، أشارت الشركة إلى بعض المقاومة لمطالب الحكومة المصرية. وفي 29 مارس/آذار، خاطبت «رنا قرطام»، كبيرة المساعدين في السياسة العامة في «أوبر»، اللجنة البرلمانية لمناقشة مشروع القانون لتسجيل اعتراض الشركة والإصرار على ضرورة إصدار أمر قضائي بمشاركة بيانات المستخدمين.

وفي بيان تم تقديمه إلى «ذي إنترسبت»، اعترفت «أوبر» بقلقها بشأن البيانات، لكنها أكدت أيضا أن الشركة «ستعمل على تطبيق القانون والالتزام به لجعل المدن التي نعمل بها آمنة قدر الإمكان»، مضيفة أن «خصوصية مستخدمينا -كل من الراكبين والسائقين- لها أهمية قصوى، وسنعمل دائما لحماية خصوصيتهم».

وقال «رودريغز»: «يجب على أوبر وكريم محاربة هذه الطلبات القاسية، وإذا تمت الموافقة على مشروع القانون، فيجب على هذه الشركات الانسحاب من مصر. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإنها ستعرض حياة سائقيها وراكبيها للخطر».

أحدث خطوة

ويمثل القانون أحدث خطوة في اتجاه أقرت بموجبه الحكومة المصرية تشريعا لتقنين تكتيكات قمعية سبق تنفيذها بشكل غير رسمي، لحماية هذه التكتيكات من الطعن القانوني وتسهيل تصعيد حملة القمع. وعلى سبيل المثال، وصفت منظمة العفو الدولية قانونا في عام 2013 يقيد الاحتجاج بأنه «مسار سريع للسجن». وفي أواخر عام 2016، أقر البرلمان قانونا آخر يقيد عمل المنظمات غير الحكومية، والذي قوبل بإدانة عالمية.

ويفتخر البرلمان المصري الحالي بواحد من أكثر التعدديات الحزبية للأحزاب السياسية في التاريخ المصري الحديث، على الورق على الأقل. ومع ذلك، فقد فشل البرلمان في فرض أي معارضة حقيقية على مشاريع السلطة التنفيذية، وعمل بمثابة ختم مؤكد للتوقيع على قرارات السلطة وليس كهيئة تمثيلية. وكانت الغالبية العظمى من القوانين المصرية التي تم إقرارها منذ أن بدأت جلسات البرلمان في يناير/كانون الثاني 2016 قد تم صياغتها من قبل الهيئات التنفيذية ووافق عليها البرلمان مع القليل من التعديل أو النقاش العام الموضوعي.

ولا يمثل القانون الذي ينظم تطبيقات الركوب استثناء. وكان لدى الحكومة بالفعل مشروع قانون في الوقت الذي ظهرت فيه طلبات الوصول إلى البيانات في يونيو/حزيران من العام الماضي، وتم تقديمه إلى البرلمان في 21 مارس/آذار، اليوم التالي لإعلان حكم الدعوى بحظر تشغيل «أوبر». وعلى الرغم من اعتراضات «أوبر»، فقد تم تمريره في اللجنة البرلمانية بعد 10 أيام فقط من تقديمه. ومن المتوقع أن يمرر القانون بالتصويت النهائي أمام مجلس النواب قبل المصادقة عليه من قبل الرئيس.

وستواجه «أوبر» قريبا خيارا صعبا، إما التضحية بواحد من أكبر أسواقها النامية، أو الخضوع لقوانين أكثر تشددا في مصر، ووضع معلومات راكبيها مباشرة في أيدي حكومة معادية وقمعية.

شاهد أيضاً

نقيب الفلاحين: “مصر تفقد 11 مليار سنوياً بسبب الطرق البدائية في الزراعة”

صرح “حسين عبد الرحمن” نقيب عام الفلاحين، قائلاً: “إن أكثر من 11 مليار جنية تُفقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *