رجل أيقظ الامة من سُباتها “ الجزء الثالث ” 2 بقلم / محمد المصري التركي

 كان الأسى قد ملأ قلب حسن البنا ابن العشرين عاماً على أحوال المسلمين وطغت عليه مرارة الواقع التي أرقته الليالي الطوال في شهر رمضان المبارك والتي إنطلقت من أعماق فؤاده وترجمها لسانه ممزوجة بحماس الشباب وقوة الإيمان ومع ذلك إنقسم الحضور في مجلس الشيخ الدجوي إلى مؤيد للشيخ ومدافع عن آرائه وضعفه وقلة حيلته وبين مؤيد للشاب المتحمس مدافع عن ضرورة البحث عن حل لاستنهاض الأمة ولذلك حرص الشاب حسن البنا على مرافقة الشيخ الدجوي حينما أنهى المجلس بسبب حرصه على زيارة أحد مريديه فى منزله وأصر على أن يجلس بجواره ليحثه على العمل وفق فكرته وليكون تأثيره كبيرا حتى أبكاه وبلل لحيته بدمع غزير وأبكى الحضور معه من شدة التأثر فدل على قوة تأثيره وهى صفة لازمة لأى داعية فإن إفتقدها لا يصلح للدعوة أو العمل الإرشادىوتلقى الشيخ الدجوى حماس الشاب حسن البنا وقسوته في ألفاظه بقبول حسن ولم يعنفه على جرأته في الكلام أو مبالغته في وصف الواقع بدعوى أن الشاب لا يزال صغيرالسن قليل التجربة لكن الشيخ الجليل كان شجاعاً يخضع للحق ويقبل الرأي الآخر مادام حقا فهكذا يكون العلماء لهم قدم صدق فى مواقف الحقيقة ولا ينكصون على أعقابهم فطلب منه الشاب أسماء من يتوسم فيهم الغيرة على الدين من ذوي العلم والوجاهة والمنزلة ليفكروا فيما يجب أن يعملوه ويصدرون ولو مجلة أسبوعية ليكتبوا فيها ردوداً على ماتنشره جرائد الإلحاد والإباحية والفجور من أضاليل ومفاسد كما يؤلفون الكتب للتصدى لهذه التيارات الإباحية الجارفة التى عملت على تجذير الفساد فى البيئة المصرية وكذلك ليفكروا فى العمل على تأليف جمعيات ينضم لها الشباب عماد النشاط الدعوى ولينشطوا حركة الوعظ والإرشاد لعلمه أن للشباب حماس قلما يتوفر عند الكهول فإستراح الشيخ الجليل لهذا الرأي وأملى عليه أسماء العلماء والدعاة والوجهاء،

وكان منهم أصحاب الفضيلة: الشيخ محمد الخضر حسين والشيخ عبد العزيز جاويش والشيخ عبد الوهاب النجار والشيخ عبد العزيز الخولي والسيد محمد رشيد رضا وكلهم قمم فى عالم العلم والمعرفة ومن الوجهاء أحمد باشا تيمور ونسيم باشا وأبى بكر يحيى باشا ومتولي بك غنيم وعبد العزيز بك محمد وعبد الحميد بك سعيد وكلهم اصحاب أسماء لامعة لها مكانتها بين الناس ومؤثرة فى المجتمع وإتفق الشيخ الدجوي مع حسن البنا أن يمر كل منهما على من يعرف من أصحاب الفضيلة والوجهاء ثم يكون اللقاء بعد أسبوع لإستعراض حصاد جهديهما وكان من نتيجة إصرار هذا الشاب المتحمس الذى يتقد وطنية وحماسا فى بذل جهوده أن تكونت نواة جمعيات الشبان المسلمين وعقب الاجتماعات بعد عيد الفطر من عام 1344 هـ ـ 1926 م صدرت مجلة الفتح الإسلامية تحت رئاسة الشيخ عبد الباقي سروروترأس تحريرها السيد محب الدين الخطيب الذي تولى إدارتها وتحريرها بعد ذلك فنهض بها خير نهوض وكانت مشعل الهداية والنور لذلك الجيل من شباب الإسلام المثقف الغيور على وطنه ودينه وصدر العدد الأول منها يوم الخميس 29 من ذي القعدة عام 1344 هـ الموافق 10 من يونيو 1926 هـ واستمرت تؤدي رسالتها لمدة 24 عاماً حتى توقفت عام 1368 هـ ـ 1949 بعد وفاة هذا العالم الإسلامي الكبير السيد محب الدين الخطيب واستشهاد الشاب الثائر الإمام المجدد حسن البنا برصاص الغدر في الثاني عشر من فبراير عام 1949. ونستطيع أن نتبين ثمرة جهد هذا الشاب الثائر والمبدع فى دخوله فى معارك حقيقية ضد غفلة الشعب المصرى وتمكن أن يوقظ المجتمع من غفوته عندما حول الحماسة التي تفور بداخله والعاطفة المتوقدة في نفسه ووجدانه إلى طاقة إيجابية فاعلة فلم يكن يبكي على الواقع المر دون أن يفعل شيئاً كما يفعل اليوم قادة ثورة 25 يناير المصرية ضد الإنقلاب بل إتجه بهذه الطاقة الإيجابية الفاعلة ليضعها أمام الرجل المسؤول المؤثر في أوساط الإسلاميين والذي له صلات بغالبيتهم وله مكانته وقدره بينهم ولم يتجاهل في طرْق باب صاحب الشأن وحثه على العمل والحركة ولم ينته اللقاء إلا وكان هناك إتفاق واضح على عمل محدد وتقديم إقتراحات عملية يمكن تنفيذها وهو ما أثمر عن بدء تأسيس جمعيات الشبان المسلمين التي ظلت تعمل في الساحة الإسلامية حتى سيطر عليها النظام العسكرى بتعيين قيادات من الحزب الوطنى الصهيونى الفاسد الذى تمكن من تحويلها إلى كافتريات ومقاهى ونوادى ألعاب ونقل إليها الفساد ..

 

 ولم يتوقف الشاب الجرىء عن وصف الواقع المؤلم للأمة الإسلامية ووجوب البحث عن مخرج للأزمة التي تعيش فيها هذه الأمة وعن حل عملي عاجل لمواجهة هذه الموجه الإلحادية والإباحية التي كادت أن تعصف بمصر قلب الأمة الإسلامية النابض وقلب الأمة العربية وأملها في النهضة والتقدم وقد كشف خوض هذا الشاب فى خضم هذا الصراع عن تمتعه بإرادة قوية وعزيمة فتية وإيمان لا يتزعزع وهو لم يكن يعمل طبقا لحماسه وغيرته على الدين كيفما إتفق أو تدفعه رياح الصراع من مكان لمكان أو تلقيه الأمواج من شاطىء لشاطىء بل كانت خطواته طبقا لإستراتيجية كشف عن تفاصيلها والوسائل التي أعدها لتحقيقها موضوع إنشاء كتبه كواجب دراسي قبيل تخرجه من دار العلوم 1345 هـ 1927 م كما كشفت هذه الإستراتيجية عن عقليه قيادية تجيد التخطيط وضح منها أن العمل على إصلاح المجتمع كان أعظم آماله وهو العمل الذى صمم على القيام به بعد إتمام دراسته ووضح أيضا منها أن هذا العمل ملك عليه روحه إذ يقول : تعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة والجهاد في الحق والهداية على الرغم من توعر طريقهما وما فيه من مصاعب ومتاعب راحة ولذة وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها وتتغلغل في مظاهر المجتمع فتتعرف على ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم وما يزيد في هذا الصفاء ويضاعف تلك المسرة لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان وعطف عليهم ورغبة شريفة في خيرهم فتحاول أن تُبْرئ هذه القلوب المريضة وتشرح تلك الصدور الحرجة وتسر هذه النفوس المنقبضة لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنقذ فيها مخلوقاً من هوة الشقاء الأبدي أو المادي وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة كذلك يوضح لنا انه يرى العمل من أجل الله أعظم غاية لشخصه ولا يريد منه ظهورا أو شهرة أو نفوذا إذ قال:وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها وأعظم ربح يربحه . و رأى أن هذا العمل نابع من القرآن الكريم :[ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] التوبة 122 . وقد أدرك الشاب بعقليته المتميزة التى تنظر إلى عظائم الأمور فتضعها فى موضعها الصحيح أن الشعب المصرى مر بأدوار سياسية ما بين الحكم الديكتانورى إلى الحكم الإقطاعى إلى حكم الإحتلال الذى صاحبه مؤثرات إجتماعية صاخبة متعددة ما بين مدنية غربية يفعل فيها الإنسان ما يشاء بدون قيود ولا يتدخل الدين فى توجيهه باسم الحرية الشخصية التى هلل بها العلمانيون وعدوها قمة التطور الإنسانى فى الحرية الشخصية وما بين إلحاد صنع الفلسفة المادية التى كان من نتيجتها نظرية الشيوعية التى قامت حنقا على النظام الطبقى الذى تستأثر فيه طبقة ما بكل المميزات وتدع الطبقات الأخرى فى فقر وعبودية والذى عضده التقليد الأعمى لكل ما يأتى من الغرب دون أى تدبر فى صلاحيته لتقاليد الشرقكل هذا أبعد المسلمين عن مقاصد دينهم والتبس عليهم أهداف القرآن الكريم وهو ما عمل الإحتلال عليه جهده فى إبعادهم عن القرآن الكريم حتى بدا لكثير من الناس كتابا غريبا يصعب فهم مراميه ونسب إليه ظلماً وجهلاً دعوته للإرهاب وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء وتعاليمه الحقيقة السمحة بحُجُب من الأوهام يحسر دونها البصر ويقف أمامها الفكر فوقع العوام في ظلمة الجهالة وتاه المتعلمون في بيداء حيرة وشك أورثا العقيدة فساداً وبدلوا الإيمان بتقاليد وعادات سيئة نهى عنها الله ونسوا مجد آبائهم وآثار أسلافهم فكشف هذا عن طبيعة تكوينه النفسى والعقلى الذى هيأته الطبيعة له ليكون مصلحا إذ قال : أود أن أكون مرشداً معلماً إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام وقضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم تارة بالخطابة والمحاورة.

شاهد أيضاً

رسالة من القائم بأعمال المرشد العام: الأيام العشر وذكرى رابعة

شدد الدكتور محمود عزت، القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، على أن مذبحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *