تأميم المساجد قبيل رمضان .. قراءة في موقف السيسي من الإسلام

قرار وزارة الأوقاف بحكومة العسكر، في شهر أبريل الجاري 2018م، وقبل شهر رمضان بأيام قليلة، بشأن غلق “25” ألف زاوية ومسجد بالمحافظات المختلفة بناء على توصيات أمنية بذريعة مواجهة الإرهاب والتطرف، والاكتفاء بإقامة الصلاة في المساجد الكبرى؛ يمكن فهمه في سياق التصورات التي جاء به الجنرال عبدالفتاح السيسي بعد نجاح موجة الثورة المضادة في 30 يونيو 2013م، والتي تهدف إلى تعزيز العلمانية وحصار التدين الإسلامي في نطاق العبادات والعمل على فرض قراءة علمانية للإسلام ذاته يتم إلزام المسلمين بها طوعا أو كرها؛ فمن أبدى اعتراضا ورفضا فالاتهامات المعلبة بالإرهاب والتطرف سوف تلاحقه، وربما تصادر حريته وأمواله ويسمونه سوء العذاب.
القرار السري الذي اتخذه الوزير وتم تسريبه عبر مصادر بالوزارة، يتسق مع قرار سابق اتخذه الوزير مختار جمعة بعدم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا التي تقل عن 80 م مربعا، وصدر حكم من القضاء الإداري في 2016 يؤيد إجراءات الحكومة في ضم هذه الزوايا بذريعة الحرب على الإرهاب والتطرف.
وفي سبيل تأميم ومصادرة الخطاب الإسلامي، اتخذ نظام 30 يونيو عدة إجراءات قمعية منها ضم كل مساجد وزوايا الجمهورية للأوقاف، وفرض الخطبة الموحدة وقصر الخطابة على خريجي الأزهر، ومنع أي جهة من جمع التبرعات سوى وزارة الأوقاف، كما تعاقدت الوزارة مع شركات حراسة لتأمين بعض المساجد ومنحت الضبطية القضائية لوكلائها ومديري الإدارات وعدد من الأئمة.
في السياق ذاته، اعتمد وزير الأوقاف، 3470 مسجدا للاعتكاف، في شهر رمضان المقبل، على مستوى الجمهورية. ومنع الاعتكاف في الزوايا مطلقا، ووضعت الوزارة شروطا تهدف إلى حصار سنة الاعتكاف حتى لو جاءت تصريحات مسئوليها عكس ذلك.
ومن الشروط التي وضعتها الوزارة، أن يكون مكان الاعتكاف مسجدا لا زاوية، وتحت إشراف إمام من الوزارة أو من وعاظ الأزهر، وأن يكون المعتكفون من أهل المنطقة على أن تدون أسماؤهم مع الإمام المشرف قبل الاعتكاف بأسبوع على الأقل، وأن يكون عددهم مناسبا للمساحة التي يتم الاعتكاف فيها، مع التأكيد أن ثواب العمل والإنتاج وقضاء حوائج الناس لا تقل عن الاعتكاف، وهي الشروط التي تسهم في حصار سنة الاعتكاف وتحد من المقبلين عليها خلال العشر الأواخر من رمضان.
كما أسهمت الرسوم التي فرضها النظام على أداء مناسك الحج والعمرة ورفع أسعار تذاكر الطائرات بصورة مبالغ فيها في موسم الحج تحديدا إلى تراجع معدلات المقبلين على هذه العبادة إلى 50% على الأقل.

تصورات السيسي عن الإسلام
ورغم أن الجنرال عبدالفتاح السيسي يزعم أنه قاد انقلابه على الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو 2013، لأنه أراد أن يغير هوية البلد ويقيم دولة دينية من خلال توظيف الدين في خدمة السياسة، إلا أن الجنرال تكاد لا تخلو خطاباته في السنوات التالية للانقلاب من نزعة دينية، كشفت ملامح فلسفته وتصوارته عن الإسلام، كما فرض وصايته على المؤسسة الدينية بصورة مطلقة واحتكر الخطاب الديني ونزع عن مخالفيه صفة الإسلام والوطنية عبر أبواقه الإعلامية والدينية في نزعة تكفيرية لا تقل في حدتها عن تنظيم “داعش” الإرهابي.
وهي الممارسات التي تعكس تناقضا كبيرا، ففي الوقت الذي يحتكر فيه الجنرال الخطاب الديني ويفرض وصايته على المؤسسة الدينية الإسلامية والكنسية على حد سواء، إلا أنه شديد النقد والحدة على الإسلام دون النصرانية، وتجلى ذلك بصورة كبيرة خلال خطاباته وزيارته للكاتدرائية؛ فبينما كان الجنرال عابسا يتحدث بلهجة آمرة حول ضرورة الثورة على الخطاب الديني الإسلامي والإساءة إلى التراث عبر مزاعمه بأنه تم تقدبس نصوص وأفكار على مئات السنين ويتوجب الخروج منها. واتهم المسلمين بأنهم يريدون أن يعيشوا وحدهم ويقتلوا باقي الشعوب وأصحاب الديانات الأخرى.
هذه التصريحات كشفت مدى السطحية المفرطة بل العدائية من جانب الجنرال في فهمه للإسلام ونصوصه وتراثه المتنوع والثري في مختلف المجالات.
في المقابل، عندما زار الجنرال الكاتدرائية للتهنئة بعيد الميلاد كان منشرحا منبسطا بين القساوسة والرهبان وهي المقابلة التي تعكس النظرة الدونية للإسلام والمسلمين من جهة فيما يقابلها احترام وتوقير للكنيسة ورهبانها.

يمكن أن نعزو ذلك إلى حرصه على التودد للأقباط أملا في استرضاء الغرب لاكتساب شرعية مفقودة أو ناقصة، كما يمكن أن نفسر ذلك بحرصه على شكر الكنيسة على دورها الكبير في مشهد الانقلاب وحشد رعاياها في مشهد 30 يونيو الذي كان أغلبه من رعايا الكنيسة إضافة إلى فلول النظام السابق وموظفين في الجهاز الإداري للدولة خرجوا بأوامر من الدولة العميقة التي يقودها كبار الجنرالات في المؤسسة العسكرية والأمنية.

الاهتمام المبالغ فيه من جانب الجنرال بالخطاب الديني والذي توازى مع فشله في المسارات الأخرى أصاب البعض بالفزع واعتبروا هذا الغلو من جانب السيسي مزعج جدا، كما أنه مهين للمؤسسات الدينية التي يديرها علماء أفنوا أعمارهم في دراسة علوم الشريعة وقضايا الفكر الإسلامي ، ثم ينتهي بهم الحال إلى أن يأخذوا التوجيهات الدينية من “مواطن” كان قبل عدة أشهر ضابطا عسكريا محترفا ، خبراته منحصرة في الخبرات القتالية وتطوير الجيش ومتابعة الدراسات العسكرية وتطوراتها وأنواع الأسلحة ووسائل التدريب الحديث للمقاتلين، وطالبوه بالاهتماما بالخطاب الدنيوي ومحاربة الفساد وتحقيق الحياة الكريمة للمواطنين والانشغال بحل الانقسام الوطني والاجتماعي العنيف الذي يعصف بالوطن ويهدد مستقبله بدلا من محاولات استخدام الخطاب الديني كأداة في الصراع السياسي الذي تعاني منه البلاد. واعتبروا خطاب السيسي “هروبي” وأن الإلحاح عليه وتكراره بلا ملل هو محاولة للهروب من “الفشل” في شؤون الدنيا ، بافتعال أزمة في أمور “الدين”.

 

تحليل الخطاب الديني للسيسي
وبوجه عام، فإن تحليل الخطاب الديني للسيسي وتفكيكه يكشفان أموراً عدة:

أولاً: خطاب السيسي يكشف أن لديه رؤية دينية متماسكة تتجاوز الشعارات العامة ومغازلة الجمهور المتدين المحافظ في مصر للحصول على تأييده، إلى العمل على فرض تصور ونمط معين للحياة. وهو ما أكده السيسي في تصريح له يشير فيه إلى ضرورة أن يكون للدولة وقائدها دور في حماية الدين والقيم والمبادئ في المجتمع.

ثانيا: الخطاب الديني للسيسي يتسم بمعدلات عالية جداً من التسييس وهو ما يتضح على مستويين. الأول هو مستوى التوظيف السياسي للدين من خلال التشديد على دوره في الحياة العامة وصياغة سلوك الناس وأفعالهم، والثاني كأداة في الصراع مع الشعب وعلى رأسه الإسلاميين وجماعة «الإخوان المسلمين». لذا، لم يكن غريباً أن يصرح السيسي أنه قام بانقلاب ٣ يوليو «من أجل إنقاذ الإسلام ومصر من الإخوان». ومن المفارقات أن السيسي يبدو كأنه قد وقع في الإشكالية نفسها التي ينتقد بها جماعة «الإخوان» وهي استخدام الدين في الصراع السياسي.

ثالثا: الفهم الديني للسيسي يغلب عليه الطابع الأرثوذكسي التقليدي مع مسحة شعبوية تستبطن النزعة الصوفية (الرؤى والأحلام والبشارات) من جهة، والمحتوى السلفي من جهة أخرى. وهو ينتمي إلى مدرسة العقل الإحالي وليس التأويلي في فهم النصوص وإنزالها على الواقع.

رابعا: الخطاب الديني للسيسي هو خطاب دولتي فوقي بامتياز. فنشر الوعي الديني هو مسؤولية الدولة وأجهزتها. وهنا يشير السيسي إلى أن الدولة مسؤولة عن نشر «الوعي الديني الصحيح» بين المواطنين وذلك من أجل مواجهة الفكر المتطرف وفق قوله. وهو يكرر دائماً مقولة ضرورة تجديد الخطاب الديني، واستخدامه كأداة لنزع الشرعية عن الجماعات الإسلامية، خصوصاً «الإخوان».

 

لماذا يسكت العلمانيون ؟
المفارقة الأبرز في ما يخص ظاهرة تدين السيسي، هي موقف القوى الليبرالية والعلمانية، والتي يبدو أن بعضها قد أصيب بحالة من الإحباط والصدمة من الحضور الطاغي للدين في خطاب السيسي وأحاديثه. ويبدو أن صراعهم الأيديولوجي مع «الإخوان» قد منعهم من التعبير عن هذه الصدمة حتى لا يعطوا الجماعة فرصة للتشفي بهم. فكثير من أولئك الذين دعموا انقلاب 3 يوليو قد فعلوا ذلك تحت ذريعة التخوف من قيام «الإخوان» بتحويل مصر إلى دولة ثيوقراطية، يتم توظيف الدين في خدمة السلطة، لكن السيسي تجاوز ذلك بمراحل ما وضعهم أمام اختبار قاس يتعلق بالضمير واحترام المبادئ.
فمسألة التغاضي المتعمد التي تمارسها بعض التيارات الإيديولوجية والسياسية التي تصنف نفسها على أنها ليبرالية ويسارية اشتراكية وقومية.. على فكرة أكثر خطورة مما يصفونه بـ”تسييس” الإسلام، وتتمثل تلك الفكرة بـ”تأميم” الإسلام من قبل السلطة القهرية في الدولة العربية الحديثة.
فإذا كان «”تسييس” الإسلام من قبل حركات إسلامية تعيش في الغالب في خانة المعارضة المستهدفة والمهمشة في بلادنا يستفز أولئك بذريعة أنهم يلعبون على وتر العاطفة الدينية عند غالبية “دهماء” شعوبنا البسيطة والساذجة من أجل خدمة أهداف سياسية وإيديولوجية كما يزعمون، فإن الأولى بهم أن يعترضوا على “احتكار” السلطة القهرية في فضاء دولنا للدين».
ولكنهم طبعا لن يفعلوا ذلك، وأنى لهم أن يُقدِموا على نقد “احتكار” الدين أو “تأميمه” من قبل سلطات حاكمة، غالبا ما انبثقت من قلب هذه التيارات الإيديولوجية من يسارية اشتراكية وليبرالية وقومية!
فالتجربة أثبتت أن الليبراليين، واليساريين الاشتراكيين، والقوميين لا يرون ضيرا في “احتكار” السلطة القهرية للدين و”تأميمها” له، في حين يصرخون فزعا من زعم “تسييس الدين” عبر خصمهم المقموع والمستهدف، الحركات الإسلامية.

إن احتكار” الدين و”تأميمه” و”تجييره” من قبل سلطة قهرية في الفضاء العربي أشد خطورة من أي حديث مزعوم عن “تسييسه” من قبل جماعات مستهدفة ولا تملك إلا خطاب الإقناع والعاطفة في علاقتها ودعايتها مع شعوبها، وهي وسائل مشروعة في العمل السياسي والجماهيري، وبكل المقاييس.
فأصحاب الأفكار العلمانية لهم الحق فيما يعتقدون، لكن لا حق لهم في مصادرة حق الشعوب في اختيار ما يناسبها ويقنعها، فنجد هؤلاء يحذرون من نفوذ “الإسلام السياسي” في المساجد دون أن يشرحوا لنا لماذا لا يحذرون من خضوع الجل الأعظم من تلك المساجد لهيمنة الدولة ونفوذها.
ببساطة، المعضلة بالنسبة إلى تلك التيارات أنها تدرك مدى ضحالة التأييد الشعبي لها وكساد بضاعتها بينها، ومن ثم تجدهم يسعون إلى “قمع” الشعوب بزعم معرفتهم للأصلح لها بدل محاولة إقناعها بصوابية أفكارهم واستدعاء العسكرة لإقصاء الإسلاميين ووأد الديمقراطية ما دامت جاءت بخصومهم الذين يؤمنون بالشريعة.

الخلاصة:
الإسلام في زمن الفتنة والتبعية والثورات المضادة بات موضوعا للصراعات السياسية والمذهبية بل ويراه البعض -خطأ- سبب هذه الصراعات. والإسلام الذي جاء مصححا للعقيدة ومحررا للإنسان من عبودية الملوك والجبابرة، صار في عصرنا إما محتكرا من جانب السلطة والحكام المستبدين ويتم توظيفه للسيطرة والهيمنة على الشعوب، أو يساء فهمه ويغالى في فهم وتفسير نصوصه من جانب فريق آخر يزعم أنه يمثل صحيح الإسلام كما في نموذج “داعش والقاعدة” والتنظيمات التي تسير على نهجهما؛ ما يتوجب العمل على تحرير الإسلام من قبضة السلطة ومن القراءات المجحفة لنصوصه ما يخرجها عن الفهم الصحيح والسياق الفطري لها.
تقوم فلسفة الجنرال عبدالفتاح السيسي على ازدراء الإسلام وإهانة رموزه وشيوخه والزعم بأنه دين عنف يريد أتباعه الحياة وحدهم بمحاربة باقي شعوب الأرض، في الوقت الذي يبدي فيه سعادة غامرة وتوقيرا كبيرا للكنيسة ورموزها.
يمارس الجنرال في خطابته الدينية فوقية لا تنبني على أي مقومات فهو ليس خريجا بالأزهر ولا معرفة لديه بالإسلام إلا بمقدار ما يعرفه العوام من الناس، لكنه يوظيف ما يسمى بالثورة على الخطاب الديني من أجل تسويق نفسه في أمريكا والغرب كرأس حربة ضد الإسلاميين الساعين إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية.
استطاع الجنرال احتكار الخطاب الديني، وتأميم المؤسسة الدينية الرسمية بالترهيب في الحالة الإسلامية والترغيب والصفقات مع الكنيسة ويمارس صورة من صور التكفير الديني والوطني عبر أبواقه وأجهزته التي تستخدم أقصى درجات العنف مع مخالفيه.
القوى العلمانية بكل مكوناتها تتغاضى عمدا عن احتكار السيسي ونظام العسكر للخطاب الديني وتأميمه للمؤسسة الدينية ، في الوقت الذي تبالغ فيما يسمى بمزاعيم “تسيس الدين” من جانب الحركات الإسلامية التي لا تملك سوى إقناع الجناهير بأفكارها وهو مايتسق مع كل المعايير والمقايس السياسية والأخلاقية.

شاهد أيضاً

وزير الخزانة التركي يلتقي 1000 مستثمر أجنبي الخميس المقبل …

يلتقي وزير الخزانة التركي، براءت ألبيراق، الخميس المقبل، مع مستثمرين أجانب، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *