رغم تسريح ملايين الموظفين.. لماذا ترتفع مخصصات الأجور والمرتبات بموازنة العام القادم؟

رغم تسريح ملايين الموظفين.. لماذا ترتفع مخصصات الأجور والمرتبات بموازنة العام القادم؟
تزايدت حدة الحرب التي تشنها حكومة العسكر على الموظفين الحكوميين خلال الأيام القليلة الماضية؛ الأمر الذي يمكن وضعه في سياق التعبئئة الإعلامية وتهيئة الأجواء للتخلص من ملايين العاملين بدواوين الحكومة في الوزارات والمحافظات المختلفة، وفقا لخطة موضوعة بالفعل ويتم تنفيذها بدقة كبيرة منذ سنتين على الأقل.
البداية جاءت من الدكتور خالد فهمي وزير البيئة بحكومة 30 يونيو، خلال الجلسة العامة الصباحية للبرلمان يوم الثلاثاء 24 أبريل الماضي 2018، والذي وصف خلالها صغار الموظفين بوزارته بالجرذان؛ الأمر الذي دفع النائب هشام مجدي لمطالبة الوزير بالاعتذار عن اللفظ المسيء.
لكن الدكتور علي عبدالعال؛ رئيس مجلس النواب، تمادى في تجاوز حدود اللياقة والأدب بحق الموظفين الصغار بالحكومة معلقا على احتقار الوزير للموظفين بأن «صغار الموظفين في الحكومة ومختلف الجهات يمثلون أزمة ونعاني منهم»، مشيرًا إلى التحول للإدارة الإلكترونية للخلاص من هؤلاء غير المدربين الذين تم تعيينهم.
وفي نفس السياق، أبرزت صحيفة “الوطن” في عدد السبت 5 مايو 2018، حوارا مع رئيس لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان، الدكتور حسين عيسى، والذي قال فيه إن 50 مليونا لا يستحقون الدعم، وأن “3” ملايين موظف بالدولة دون عمل!.

المغزى والدلالات
تصريحات رئيس لجنة الخطة والموازنة تعكس توجهات النظام نحو تقليص عدد المستفيدين من الدعم التمويني بحذف “50” مليونا وكذلك تعكس توجهات الحكومة نحو التخلص من 3 ملايين موظف بالحكومة؛ وهي الخطوات التي تأتي خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي لضمان استلام باقي شرائح قرض الـ12 مليار دولار.
كما أن تصريحات رئيس البرلمان ووزير البيئة ثم رئيس لجنة الخطة والموازنة، تحمل دلالات خطيرة سواء من حيث التوقيت أو المغزى والمضمون.
أولا من حيث التوقيت؛ فإن التصريحات تزامنت مع وصول بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة الخميس الماضي 3 مايو2018، لإجراء المراجعة الثالثة لما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، بخاصة أن الصندوق يضغط على الحكومة المصرية لإنجاز عدد من الملفات العالقة أبرزها: تحرير سعر الوقود كاملاً، وبيع المشتقات البترولية من بنزين وسولار وغاز للمواطن بحسب الأسعار العالمية، وهذه الخطوة تم الاتفاق عليها بالفعل خلال لقاء وفد مصري رفيع المستوى بكبار مسؤولي صندوق النقد الدولي جرى بالعاصمة الأميركية واشنطن قبل أيام. وثانيا تطبيق قانون «الخدمة المدنية» الذي سيتم من خلاله تقليص عدد العاملين بالجهاز الإداري، للدولة عبر الاستغناء عن “3” ملايين موظف حكومي بحسب تصريحات رئيس لجنة الخطة والموازنة، تحت مزاعم عدة منها عدم الكفاءة والكسل، وأن هؤلاء لا يمثلون قيمة مضافة للمجتمع، بل يمثلون عبئاً شديداً على الموازنة العامة وإيرادات الدولة،
ثانيا: هذه التصريحات تحمل رسالة لبعثة الصندوق بأن البرلمان يساند إملاءات وشروط الصندوق حتى وإن وصلت إلى فصل ملايين الموظفين بالحكومة، بل إن رئيس البرلمان أشار إلى أن المجلس سوف يبدأ بتنفيذ إملاءات الصندوق بالتخلص من عدد كبير من موظفيه كاشفا أن عدد العاملين به (3300) لافتا إلى أن العدد كبير ومعيق للعمل وأن البرلمان الدولي يرى أن 500 موظف فقط من إجمالي هؤلاء قادرون على القيام بالعمل المطلوب.
ثالثا، لا يمكن الفصل بين هذه التصريحات وتزامنها مع احتفالات عيد العمال، فالرسالة التي يبعث بها “البرلمان والحكومة” تقول بوضوح إن الدولة لا تخشى العمال، وأنها تلوح بفصلهم حتى في قمة الاحتفال بهذا الحدث العمالي السنوي. كما تحمل من الدلالات تهديدا للعمل بالكف عن المطالبة بتحسين الأجور وزيادة الحوافز خلال الاحتفال بعيدهم، فيكفيهم أن الحكومة ستبقي عليهم في مواقعهم ولن تفصلهم من وظائفهم.
رابعا، هذه التصريحات تمهد الرأي العام بقبول فكرة الاستغناء عن ملايين الموظفين بالحكومة، ومن لم يخرج من وظيفته بقانون الخدمة المدنية الصادر في العام 2016، فليخرج بفتوى مجلس الدولة الصادرة يوم 28 أبريل الماضي وتقضي بجواز فصل الموظف من دون إنذار لانقطاعه عن العمل. ومن لم يخرج بتحاليل المخدرات التي سيتم إجراؤها على العاملين بالجهاز الإداري للدولة وسيتم من خلالها إيقاف أي موظف يثبت تعاطيه المخدرات عن العمل، سيخرج بالعصا الأمنية الغليظة، فقانون الطوارئ جاهز.

تناقص الموظفين وزيادة بند الأجور!
وأظهرت بيانات رسمية أن حكومة العسكر قلصت بالفعل عدد العاملين بالقطاع الحكومي بنحو 800 ألف موظف دفعة واحدة خلال العام المالي (2016/2017)، الذي انقضى بنهاية يونيو الماضي 2017،
وأشارت البيانات، التي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على موقعه الإلكتروني ضمن نشرة إحصاء العاملين بالحكومة والقطاع العام، إلى بلوغ عدد العاملين بالقطاع الحكومي 5 ملايين فرد بنهاية العام المالي الماضي 2016/2017، مقابل 5.8 ملايين موظف في العام المالي السابق عليه، بانخفاض بلغت نسبته (13%).
ووفقاً لجهاز الإحصاء، فإن الإدارة المحلية سجلت أعلى نسبة من العاملين بالقطاع الحكومي، بواقع 56.2%، مقابل 26.3% للجهاز الإداري، و10.7% للهيئات الخدمية، و6.8% للهيئات الاقتصادية.
وجاء تقليص عدد الموظفين مغايرا لبيانات الأجور التي زادت بنسبة 7% خلال العام المالي الماضي، مقارنة بالعام السابق عليه، ما اعتبره محللون يثير علامات استفهام حول شفافية بند الأجور في القطاع الحكومي.
ورغم التقليص المستهدف للموظفين، خصصت الموازنة الحالية (2017/2018) 240 مليار جنيه (13.6 مليار دولار) للأجور، مقابل 228.7 مليار جنيه العام المالي الماضي، و213.7 مليار جنيه في العام السابق عليه.
ومع خطوات الحكومة نحو تسريح نحو مليوني موظيف حكومي آخرين خلال العام المالي الحالي والمقبل بما يصل بعدد الموظفين إلى “3” أو “4” ملايين فقط، إلا إن حجم مخصصات بند الأجور والمرتبات في الموازنة الجديدة 2018/2019 ارتفعت إلى (266) مليار جنيه، بزيادة قدرها “26 مليارا عن العام الحالي.
وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد بلغ عدد العاملين بالدولة عام 2015 نحو ستة ملايين موظف، تستحوذ أجورهم على 26% من إجمالي الإنفاق الحكومي، أي نحو 207 مليارات جنيه في موازنة عام 2014/2015.
يعني هذا أن مخصصات بند الأجور والمرتبات بموازنة 2015 بلغت (207) مليارات جنيه، وبعد أن تقلص عدد موظفي الحكومة إلى نحو 3 أو 4 ملايين فقط في الموازنة الجديدة فقد تم رصد مخصصات قدرها (266) مليارا!.. ما يؤكد حجم النهب العظيم لأموال الدولة؛ فعدد الموظفين يتناقص بالملايين ومخصصات الأجور والمرتبات تزيد بعشرات المليارات!
الحكومة ــ بحسب تصريحات مسئولين بارزين ـــ تستهدف خروج نحو مليوني موظف خلال العامين الماليين الحالي والمقبل، سواء عبر آلية المعاش (التقاعد) المبكر الموجودة بقانون الخدمة المدنية الجديد، أو من خلال إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة”.
وهي التصريحات التي تؤكد تسريح “3” ملايين موظف كما ذكر رئيس لجنة الخطة والموازنة فقد تم فعلا تسريح “800” ألف العام المالي الماضي وسيتم تسريح مليونين آخرين خلام العامين الماليين الحالي والقادم للاكتفاء بـ3 ملايين موظف حكومي في الجهاز الإداري للدولة.
فقانون الخدمة المدنية جاء لوضع حد لتنامي الجهاز الإداري للدولة، وهو ما تم فعلا من خلال معدلات تسريح تصل إلى مليون موظف كل سنة. وبهذه الخطوات تكون حكومة العسكر قد قطعت أشواط كبيرة نحو تلبية شروط وإملاءات صندوق النقد الدولي على حساب الطبقة الفقيرة والكادحة رغم صعوبة الحياة وقسوة المعيشة في ظل موجات الغلاء التي لا تتوقف والارتفاع الجنوني في أسعار جميع السلع والخدمات.

الخلاصة
تشن حكومة 30 يونيو حربا على الموظفين بالحكومة ترجمة لإملاءات صندوق النقد الدولي التي تفرض على الحكومة عدة إجراءات منها تعويم العملة ورفع الدعم ورفع أسعار الخدمات والسلع وتقليل حجم العجز في الموازنة وتخفيض عدد العاملين بالجهاز الإداري للدولة وخصصة الشركات القومية الناجحة.
ورغم تخصيص “207” مليارات جنيه في موازنة 2014/2015 لحوالي 6 ملايين موظف بالحكومة، إلا أن المخصصات تزايدت رغم تقليص عدد الموظفين بالجهاز الإداري للدولة؛ حيث تم تخصيص “240” مليارا في موازنة 2017/2018 لـــ 5 ملايين موظف حكومي بعد التخلص من حوالي مليون موظف خلال السنوات الماضية. وفي الموازنة المرتقبة ورغم توجهات الحكومة نحو تسريح مليون موظف آخرين إلا أن مخصصت الأجور والمرتبات ارتفعت إلى “266” مليارا!.. فكيف يتم تقليص عدد موظفي الجهاز الإدري للدولة بالملايين وترتفع مخصصات الأجور والمرتبات بعشرات المليارات؟! أم هو النهب المنظم ورفع مرتبات أصحاب الحظوة والمحاسيب من أنصار نظام العسكر على حساب الشعب الذي يئن ويعاني من إجراءات قاسية لا يتحمل تبعاتها إلا الفقراء والمهمشون وأنباء الطبقة الوسطى التي تتآكل منذ انقلاب 30 يونيو 2013؟!.

شاهد أيضاً

عصابات للمافيا.. من “إسرائيل” إلى “الهند” حماية مرتكب المجازر أولًا!

بينما يبحث المجتمع الحقوقي الدولي عن وقف مسارات الإفلات من العقاب، والتصدي للتشريعات المشبوهة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *