رسالة الإخوان المسلمين فى رمضان .. “رمضان وانتصار القيم”

رسالة الإخوان المسلمين فى رمضان
رمضان وانتصار القيم

زاد فريد:
ها نحن نقترب من محطة رمضان، تلك المحطة الرئيسية التي نتزود منها بزاد العام كله، فهي محطة فريدة في خصائصها ومكوناتها وأزوادها، وفيها ما لا يوجد في غيرها، ولذلك لا يستغني عنها مسافر في طريق الآخرة، من غفل عنها أو أهمل التزود منها فقد خسر خسراناً مبيناً، إذ لا يمكنه أن يعوض خسارته تلك بأي حال من الأحوال، فهناك أصناف كثيرة من زاد الرحلة لا توجد إلا في هذه المحطة. ولذلك فإن المسافر الحصيف يحسب لذلك ألف حساب، ويترقب هذه المحطة قبل الوصول إليها بمدة كبيرة، ويستعد لها قبلها بفترة كافية؛ حتي لا تفوته الفرصة، ولا يستطيع الاستدراك فيندم، ولات حين مندم. فهيا بنا أيها الأحباب نهيئ أنفسنا، ونستعد لاستقبال هذه المحطة من الآن، حتي إذا وصلنا إليها تزودنا منها ما يكفينا في رحلتنا الطويلة عاماً كاملاً، حتي نعودفنتزود لمثلها، أو ننتقل إلي جوار رب كريم، وما تزودناه من هذه المحطة باقٍ فينا، وثماره بادية علينا﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(لقمان: من الآية 34). ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾(البقرة: 197).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْتَمِسُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ كُلَّهُ،وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ؛فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُبِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَيُؤْمِنَ رَوْعَاتِكُمْ»(رواه الطبراني وصححه الألباني).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ »(رواه ابن ماجة وصححه الألباني).

عزم جديد:
فرمضان ليس استراحة سنوية ولكنه حياة إيمانية وتجربة جهادية، وليس فرصة للعزلة ولكنه ميدان للدعوة، وليس مبرراً للركون ولكنه دافع للحركة، وليس تعذيباً للبدن ولكنه إشراقة للروح، وليس تعطيلاً للإنتاج ولكنه تقويم الاعوجاج،وليس مائدة عامرة ولكنه أخلاق ناضرة، وليس عزلة مريحة ولكنه انطلاقة فسيحة، وليس مظاهر واحتفالات ولكنه سباق في الطاعات والقربات، وليس عروضاً فنية ولكنه منحة ربانية، وليس معدة خاوية من الطعام ولكنه قلب مفعم بالإيمان، وعقل متوقد لخدمة الإسلام، ولسان رطب من ذكر الله يلهج بالقرآن،ولا غرو فإن له روحاً تسري في الكيان الإنساني فتجدد العزم، وتبدد الخمول، وتبث الرجاء، وتخفف الوعثاء، وتقلل العناء، وتبعث الأمل، وتحبب الطاعة، وتقوي المناعة. إنه الغيث يسقي شجرة الأخلاق فتنمو وتزهروتثمر التقوي؛ فيخاف المرء من الجليل، ويعمل بالتنزيل، ويرضي بما قسمه الله له من كثير أو قليل، ويستعد علي الدوام ليوم الرحيل﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

ولكن .. لكي يخلق رمضان العزم الجديد؛ فإنه يحتاج إلي إرادة لا تحيد، حتي يثمر وينفع ويفيد، فالماء لا يعيد الحياة إلي الشجرة الميتة، ولكنه يعيدها إذا كانت ذابلة واهنة ضعيفة بيد أنها مستمسكة بالحياة، تقبل الماء فيستحيل فيها قوة ونضارة؛ فإذا أردت أن تنتفع من رمضان فشمر عن ساعد الجد، وانفض عنك غبار النوم، واهتف في نفسك من أعماقك:
لا يا قيود الأرض … لا يا أثقال الثري … لا يا رغائب النفس … لا يا هواجس الإثم … لا يا وساوس الشيطان … لا يا داعي الهوي … لا يا رفيق السوء …
ناجي ربك وجدد عهدك معه وقل له: لبيك لبيك يا الله … لبيك لبيك يا ربي وسيدي ومولاي … جئتك مسرعاً تائباً نادماً منكسراً وجلاً راغباً … وقفت ببابك، وألقيت أحمالي علي أعتابك، فلا تطردني من رحابك …
قل له: لن تفتقدني يا إلهي حيث أمرتني … ولن تجدني حيث نهيتني.
اهتف بأعلي صوتك: لن يسبقني إلي الله أحد … لن يضيع مني رمضان … لن أتكاسل … لن أتخاذل … لن أقصر في طاعة … لن أغيب عن مكرمة… لا سلبية بعد اليوم.

جدد العزم وجنبني الكلام …. إنما الإسلام دين العاملين

خلق حميد:
إن الحياة الإيمانية والجو الرمضاني يهيئان الفرصة للإنسان كي ينتصر علي نفسه؛ فيصبح ذلك تتويجاً لانتصار القيم؛ وثمرة زاكية لرحلة المجاهدة طوال العام؛ فالإنسان الذي يجاهد نفسه لتنقيتها من الشوائب، أو يجاهدها لتستقيم علي المنازل العالية، والمطالب السامية؛ فينجح أحياناً ويخفق أخري، يأتيه رمضان بزاد عظيم ينقله نقلة كبيرة؛ فيحقق ما عجز عنه طوال العام، ولعل ذلك بعض ثمرات المجاهدة التي تنبلج في وقت تَظَاهُر الخير وتَكاثُر البر وتَوارِي الآثام﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
وإنها لسبلٌ كثيرة للهداية والتوفيق يمهدها الله تعالي لمن يجاهد في سبيله بأي صورة من صور الجهاد، ورمضان هو شهر المجاهدة، وهو شهر الخلق: يربيه وينميه ويزكيه، ثم يتركه راسخاً في النفس ليتعامل الإنسان به طوال العام، حتي إذا خَفَتَ صوته، وضعف أثره أدركه رمضان القادم فجدد منه ما بَلِي، وقَوَّي منه ما ضَعُف، فيعيش المسلم بأخلاق رمضان أبداً ما بقي في هذه الدنيا.
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال:قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه»(رواه البخاري ومسلم).

وأعظم خلق يربيه الصوم في النفس هو خلق الصبر، وهو خلق لازم لعشرة الأهل، وتربية الأولاد، ومخالطة الناس،وإرشاد المجتمع، وتحقيق مقاصد الرسالة، وتحمل أعباء الجهاد. والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلي الله.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ،وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ،أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ،وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»(رواه ابن ماجة وصححه الألباني).

نصر أكيد:
فأخلاق الصيام هي أخلاق البناء وأخلاق النصر، سواء في ذلك الفرد والجماعة والمجتمع والأمة كلها، فمن انتصر علي نفسه وشهواته كان حرياً به أن ينتصر علي أعدائه، ومن أفلت من أسر الشيطان كان أقدر علي الإفلات من مكائد الأعداء، والأمة التي تربي أبناءها علي الانضباط والصبر والقوة وتحمل الصعاب هي الأمة التي تستطيع تحقيق أهدافها والانتصار علي أعدائها. ورمضان مدرسة تربوية للأمة كلها علي أخلاق القوة والتحمل والصبر والعفة وضبط النفس وكظم الغيظ وهي أخلاق نفسية عظيمة تعد الأساس في تحقيق النصر، ورمضان يربي الأمة أيضاً علي أخلاق التراحم والتكافل والبر والمعروف وصلة الرحم، وهي أخلاق اجتماعية فاضلة تعد أساساً لأي مجتمع متماسك البناء قوي اللحمة يستطيع مجابهة أعدائه وتثبيت انتصاراته.
وقد حقق المسلمون انتصارات عظيمة في شهر رمضان، في بدر الكبرى، وفي حطين، وفي عين جالوت، وغيرها كثير، وانتصروا كذلك عندما كانت أخلاق رمضان هي الأخلاق السائدة في مجتمعاتهم؛ انتصروا عندما كانوا مجتمعاً متراحماً مترابطاً قوياً يسوده العدل ويُنتصَف فيه للضعيف، ويقف الناس في وجه الظالم، ولا يخافون في الله لومة لائم، ويصبرون علي تكاليف الحق، ولا يستثقلون أعباء الجهاد، ولا يفرطون في الحرية والكرامة والحقوق، ولا يرضون بالهون ولا بالعيش الدون، ولا يعطون الدنية في دينهم، ولا يقبلون الضيم، ولا يخذلون المستغيث، ولا يمالئون الظالم، ولا يجاملون في الحق، فمن أراد النصر فهاكم الطريق… فهاكم الطريق … فهاكم الطريق.

شاهد أيضاً

قصة واقعية من أوراق طبيبة مسلمة .. أنقذوا أشرف قنديل

قاتل الله الظالمين .. من سبعة وعشرين عاما حدثت هذه القصة وقدر الله أن أحكيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *