مؤشرات الانتخابات الماليزية والعربية

نستعرض في هذا التقرير ملامح الانتخابات الماليزية والعراقية واللبنانية بشكل يلقي الضوء على النتائج والدلالات بشكل أولي.
الانتخابات الماليزية:
انتهبت بفوز تحالف المعارضة بقيادة مهاتير محمد وحلفائه من القوي الإسلامية المرتبطة بأنور ابراهيم والاخوان المسلمين والحزب الاسلامي بالانتخابات الماليزية يعيد الفرحة لقلوب الماليزيين، ويضع ماليزيا من جديد على طريق النهضة من خلال البدء في تطهير مؤسسات الدولة من عمليات الفساد التي بدأت تنخر في عضد ماليزيا وجعلتها تنحرف عن البوصلة التي سبق وأن وضعها ماليزيا منذ عشرين عاماً. مخاوف سعودية واماراتية من فوز تحالف المعارضة وهزيمة رئيس الوزراء الموالي لهما في الانتخابات.
والحقيقة أنه مع جلاء الاستعمار البريطاني عام 1957م تحوّل نظام الحكم في ماليزيا إلى حكم فدرالي باسم فيدرالية الملايو، وباتت ماليزيا بذلك ملكية دستورية فيدرالية. منذ استقلالها وخلال العقود الخمسة الماضية نعمت ماليزيا نسبيًا بحالة من الاستقرار السياسي، حيث انتظمت الانتخابات الديموقراطية الحرة في مواعيدها، ولم تحدث أية انقلابات، في ظل حالة من التوافق والتعايش العرقي والديني، وتطور اقتصادي انعكست فوائده على مجمل شرائح المجتمع الماليزي، واستقرار في الأمن الداخلي. بالتأكيد لم تخلو هذه الفترات من المشاكل والمنغصات؛ لكنها بقيت على كل حال في حدود ما يمكن استيعابه وتجاوزه.
أما الإنتخابات الأخيرة فقد أجريت في 9 مايو 2018، وقد تم إعلان النتائج الرسمية اليوم التالي 10 مايو 2018م، حصل تحالف الأمل PH بقيادة مهاتير محمد وأنور إبراهيم على 113 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغ 222 مقعداً، أمّا التحالف الوطني BN بقيادة رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق فقد حصل على 79 مقعداً، فيما حصل الحزب الإسلامي الماليزي PAS على 18 مقعداً، أمّا حزب واريسان في ولاية صباح فكان نصيبه 8 مقاعد فيما حصد المستقلون 3 مقاعد. يرى مراقبون أن خسارة الحزب الحاكم للإنتخابات لم تبدأ في هذه الدورة بل من الدورة السابقة عندما فقد أغلبية أصوات الناخبين ومنعه من خسارة الحكم التوزيع غير المتساوي لمقاعد البرلمان، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى تآكل شعبية الحزب، ورغبة قطاعات واسعة من الشباب بالتغيير، ولعل السبب الأهم الذي يجعل هذه الدوافع تتفاعل وتؤدي إلى خسارة الحزب، هو تزعم مهاتير لهذه المعارضة، وإطلاقه حملة اتهامات واسعة لرئيس الحكومة بالفساد.
فيما يتعلق بمنطقتنا: تعد ماليزيا ساحة تنافس بين السعودية وإيران. خلال السنوات الماضية ساءت العلاقة مع إيران في عهد نجيب وذلك بضغوط سعودية، حتى وصل الأمر إلى إصدار فتوى من جهات رسمية ماليزية بتكفير الشيعة مع اكتشاف حسينية شيعية في كوالالمبور وتشيع بعض الماليزيين، وهو ما حاولت إيران التغلب عليه من خلال إيفاد بعض الوفود غير الرسمية -حتى من السنة المؤيدين لها، لإقناع الماليزيين بتغيير موقفهم المتصلب. لا يبدو أن مهاتير يختلف من حيث المبدأ، عن نجيب في موقفه من التشيع، فقد علمت أن وفداً زار ماليزيا والتقى مهاتير طالباً منه التدخل لدى الحكم بهذا الشأن، فكان موقفه شديداً وقال أنّ مسلمي ماليزيا سنة شوافع ولا يحتمل وضع التجزئة، ورد الوفد خائباً، لكنه على الصعيد السياسي ربما يكون أبعد عن الضغوطات السعودية، ما يمكن أن يدفع إلى تحسين العلاقات مع إيران ولو بشكل محدود، خاصة مع الدور الخطير الذي اضطلعت به السعودية بالتأثير على مجريات الانتخابات عام 2013 عبر تقديمها مبالغ إلى رئيس الوزراء السابق من أجل التأثير على نتائجها، وأيضاً مع الفضائح المالية التي ارتبطت باسم حليفتها الإمارات والتي تم الكشف عنها في ماليزيا وخصوصاً استثمارات مؤسسة ساتو ماليزيا، وعلاقاتها المريبة مع رجالات الحكم السابق.

الانتخابات العراقية:
تعد الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت 12 مايو 2018 هي الرابعة التي يجريها العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003، والأولى منذ إعلان الحكومة العراقية النصر على تنظيم الدولة، وقد حققت الانتخابات نسبة مشاركة بلغت نحو 45% حسب النتائج الرسمية، وهي أقل نسبة مشاركة بين جميع الاستحقاقات الانتخابية الماضية؛ ففي عام 2014 سجلت نحو 60%، وفي عام 2010 بلغت 62%، ونحو 80% في عام 2005. مقابل انخفاض نسبة التصويت ارتفعت أعداد الأحزاب والتكتلات والمرشحين بشكل ملموس عن الانتخابات السابقة؛ حيث شارك نحو سبعة آلاف مرشح توزعوا على 87 حزبًا وتحالفًا سياسيًّا.
جرت الانتخابات وسط تزايد ملحوظ في الرغبة بالخروج من دائرة الاحتشاد الطائفي، ولذلك تشكَّلت قوائم كثيرة عابرة للطائفية، وكان ذلك من سماتها المميزة واللافتة، لكن الانتخابات الأخيرة جرت أيضًا في سياق داخلي مشحون ومتوتر، فالكتلتان اللتان ظلتا الأكثر توحدًا وتأثيرًا في المشهد السياسي، وهم الشيعة والكرد، قد انفرط عقدهما في انتخابات 2018، ودخلا الانتخابات وسط اختلافات بنيوية بين أطرافهما، تبدت نتائجها في توزع القوى السياسية الشيعية على خمس قوائم رئيسية، والكرد على سبع، من دون أن يكون لهذا التشظي دواع تكتيكية انتخابية كما حدث في الانتخابات الماضية. ولعل الخطورة الأكبر في هذا الانقسام هي امتلاك كل من الأحزاب الشيعية والكردية على حد سواء لميليشيات مسلحة يمكن في أية لحظة أن تنقل الخلاف السياسي إلى مواجهات دموية. أما القوى السياسية السنية، فقد شاركت بقائمتين رئيسيتين، وبين أطرافها العديد من الخلافات، غير أن افتقاد السُّنَّة العرب في العراق للميليشيات المسلحة، بل وتجريد أغلب المناطق السنية من السلاح، يجعل استخدام العنف مستبعدًا بشكل عام لعدم توفر أدواته.
وقد جرت الإنتخابات في سياق إقليمي ودولي متوتر بسبب الاشتباك السياسي والدعائي الأميركي-الإيراني، وبداهة أن يسعى كل من هذين الطرفيْن المنخرطين أصلًا وبقوة في العراق للاستحواذ على النفوذ السياسي، ربما لاستباق أي تطور محتمل في المواجهة بينهما، لكن المتغير الجديد في التدخل الخارجي، كان بروز المملكة العربية السعودية كطرف أجنبي ثالث في الانتخابات الأخيرة؛ فهي تنخرط لأول مرة بهذه القوة في الوضع العراقي، فيما يبدو أنه محاولة منها لمواجهة النفوذ الإيراني القوي في العراق، ولتحقيق اختراق سياسي لأول مرة في هذا البلد منذ الغزو قبل 15 عامًا. ولا يُعرف حجم تدخل هذه القوى الثلاثة في هذه الانتخابات، لكن المراقبين داخل العراق لاحظوا الحملات الدعائية المكلفة والمال السياسي الضخم الذي جرى إنفاقه من قبل بعض القوى والشخصيات المحسوبة على إيران أو السعودية بشكل خاص.
بحسب النتائج الأولية؛ احتل تحالف “سائرون” المرتبة الأولى (تحالف بين التيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر مع الحزب الشيوعي العراقي بزعامة رائد فهمي وأحزاب أخرى)، كما حصل على أعلى نسبة من الأصوات في محافظة بغداد التي تحظى بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان، تلاه تحالف “الفتح” بقيادة الأمين العام لمنظمة “بدر” هادي العامري (قائمة تتألف من فصائل الحشد الشعبي والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي)، ثم ائتلاف النصر (برئاسة العبادي)، وجاءت في المراتب اللاحقة تحالف “دولة القانون” (برئاسة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي)، والقائمة “الوطنية” برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي متحالفا مع رئيس البرلمان الحالي سليم الجبوري.
وبحسب النتائج الحالية، يبدو أن هناك سناريوهات اثنين لتشكيل الحكومة المقبلة: اولاهما تشكيل تحالف يشمل سائرون والنصر والمعارضة الكردية المتمثلة بالتغيير وحركة الديمقراطية والعدالة بالمشاركة مع أحد القوائم السنية او كليهما (القرار العراقي والوطنية). والسيناريو الثاني هو تشكيل تحالف يجمع دولة القانون والفتح والحزب الديمقراطي الكردستاني وبعض الأحزاب السنية القريبة للمالكي. ويبدو أن الخيار الأول يمتلك الكثير من مقومات النجاح، حيث لا تمتلك قائمة دولة القانون بزعامة المالكي والفتح المتشكلة من ميليشيات موالية لايران، لا تمتلك قبولا لدى الشارع الصدري أو لدى السنة. ويلاحظ على هذه النتائج الحضور الباهت للقوى السياسية السنية؛ رغم أن أعداد العراقيين السنة تعادل أعداد العراقيين الشيعة أو تفوقهم.

الانتخابات اللبنانية:
جرت في لبنان في السادس من مايو 2018، أول انتخابات برلمانية منذ العام 2009، أظهرت نتائجها فوز حزب الله وحلفائه بأكبر مقاعد مجلس النواب (البرلمان) البالغة 128، في مقابل تراجع عدد مقاعد تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري، وصعود لافت لحزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع. بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات اللبنانية -التي جرت للمرة الأولى وفق النظام النسبي – 49.20%، بحسب ما أعلنه وزير الداخلية اللبناني، في حين بلغت 54% خلال الانتخابات النيابية التي أجريت قبل تسعة أعوام، وبلغ مجموع الناخبين المسجلين نحو 3.75 ملايين، نسبة المسلمين منهم نحو 63%، والنسبة الباقية للمسيحيين.
أظهرت النتائج الرسمية حصول حزب الله على نحو 13 مقعدا، وحركة أمل المتحالفة معه بزعامة رئيس مجلس النواب نبيه بري على 16 مقعدا، أي ما مجموعه 29 مقعدا للحليفين الشيعيين في معظم الدوائر الانتخابية، كما فاز حلفاء حزب الله بمقاعد نيابية، مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي، وحصل على ثلاثة مقاعد، وحزب المردة برئاسة الوزير السابق سليمان فرنجية على ثلاثة مقاعد. بينما حصل التيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس ميشال عون مع حلفائه المنضوين تحت كتلة “لبنان القوي” على 29 مقعدا. فيما زاد تمثيل الحزب الذي يتزعمه سمير جعجع -حزب القوات اللبنانية – في مجلس النواب بحصوله على 15 مقعدا على الأقل، مقارنة مع ثمانية كانت بحوزته من قبل، حسب ما أظهرته النتائج الأولية. في حين تراجعت حصة تيار المستقبل من 33 نائبا عام 2009 إلى 21 في انتخابات 2018، وكانت خسارة التيار في منطقتين كانتا تعتبران معاقل له مثل طرابلس في الشمال وبيروت. كما حصد عدد لا بأس به من المستقلين والأحزاب الصغيرة مقاعد في مجلس النواب.
يذكر أن عدد أعضاء مجلس النواب اللبناني يبلغ 128 نائبا، ينقسمون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، أي 64 نائبا لكل طائفة، ويتوزع النواب المسلمون على الشكل التالي: 27 نائبا للسنة ومثلهم للشيعة، وثمانية نواب للدروز، ونائبان علويان. وعند المسيحيين يستحوذ الموارنة (طائفة الرئيس ميشال عون) على الحصة الكبرى بـ 34 نائبا، يليهم الروم الأرثوذكس بـ 14 مقعدا، والروم الكاثوليك بثمانية مقاعد، والأرمن بستة، والإنجيليون بمقعد واحد، إضافة إلى مقعد للأقليات.
الانتخابات التونسية:
أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات 9 مايو 2018، عن النتائج الأولية في أول انتخابات بلدية تعيشها تونس بعد الثورة. تصدرت حركة النهضة بقية الأحزاب (29.68%)، تليها حركة نداء تونس (22.18%)، فيما تحصّلت القائمات المستقلة مجتمعة على أعلى نسب التصويت (32.9%)، وإن كان يصعب إدراجها في جسم واحد لاختلاف توجهاتها، خاصة بعد إعلان عديد الأحزاب دعمها لقائمات بعينها واعتبارها امتدادًا لها. فيما قدرت نسبة المشاركة في الاقتراع بـ (35.6%).
تكشف نتائج الإنتخابات البلدية في تونس عن عدد من النتائج الهامة أبرزها عودة النهضة الي صدارة الساحة الانتخابية التونسية بعد تراجع مؤقت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة. ويعكس هذا تراجع القوي العلمانية المستندة لخطاب هوياتي علماني،فلو كان تأثير الهاجس الهوياتي العلماني ذا تأثير كبير على اتجاهات المصوتين؛ لتحصل المتطرفون في عدائهم للنهضة (فوبيا–النهضة) على نسبة أعلى بكثير مما تحصلوا عليه في هذه الانتخابات.

شاهد أيضاً

السيسي وترامب .. كوميك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *