( هذا الدين ) الفصل الأول: منهج للبشر للشهيد سيد قطب.

هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين، وطريقة عمله في حياة البشر… حقيقة أولية بسيطة… ولكنها مع بساطتها، كثيراً ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء.

فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين: حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي، حاضره ومستقبله كذلك!.

إن البعض ينتظر من هذا الدين- ما دام منزلاً من عند الله- أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب! ودون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية، ولواقعهم المادي، في أي مرحلة من مراحل نموهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم!.

وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسانية، يتفاعلان معه، فيتأثران به – في فترات – تأثراً واضحاً، على حين انهما في فترات أخرى يؤثران تأثيراً مضاداً لاتجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم، وضعفهم ونقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه..

حين يرون هذا فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها – ما دام هذا الدين منزلاً من عند الله – أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته، أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً!.

وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.

إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية؛ وفي حدود الواقع المادي حينما يتسلم مقاليدهم ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة.

وميزته الأساسية: انه لا يغفل لحظة، في أية خطة وفي أية خطوة عن فطرة الإنسان وحدود طاقته ، وواقع حياته المادي أيضاً.

وأنه – في الوقت ذاته- يبلغ به – كما تحقق ذلك فعلاً في بعض الفترات، وكما يمكن أن يتحقق دائماً كلما بذلت محاولة جادة – إلى ما لم يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق و في يسر وراحة وطمأنينة واعتدال.

ولكن الخطأ كله – كما تقدم – ينشأ من عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو من نسيانها، ومن انتظار الخوارق المجهولة الأسباب على يديه…تلك الخوارق التي تبدل فطرة الإنسان، ولا تبالي طاقاته المحدودة ، ولا تحفل واقعه المادي البيئي !

أليس هو من عند الله؟
أليس الله قادرا على كل شيء؟
فلماذا إذن يعمل هذا الدين – فقط- في حدود الطاقة البشرية المحدودة؟!
وتتأثر نتائج عمله بالضعف البشري؟!

بل لماذا يحتاج أصلا إلى الجهد البشري؟!
ثم… لماذا لا ينتصر دائماً، ولا ينتصر أصحابه دائماً؟! لماذا تغلب ثقلة الضعف والشهوات والواقع المادي على رفرفته وشفافيته وانطلاقته أحياناً؟!
ولماذا يغلب أهل الباطل على أصحابه – وهم أهل الحق – أحياناً!!

وكلها – كما ترى – أسئلة وشبهات، تنبع ابتداء من عدم إدراك الحقيقة الأولية لطبيعة هذا الدين وطريقته… أو من نسيانها!.

شاهد أيضاً

لماذا أكره الإخوان المسلمين ؟ د . الشحات عطا

راسلني على الفيس شاب محترم قائلا : أحبك في الله وأكره الإخوان المسلمين , فقلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *