دورات في الصراع مع النظام العسكري وقصة التأييد مقال بقلم أ. ابراهيم منير نائب المرشد العام للجماعة

(1)
بدأت مرحلة السجون عام 1954م ووضع الجماعة الداخلي خلف الأسوار تتنازعه عدة أمور:
أولها: الوفاء الكامل لفكرها واليقين الكامل بأن الجماعة بقيادتها ونظامها الخاص بريئة من المحاولة الهزلية لاغتيال عبد الناصر التي جرت في ميدان المنشية في الإسكندرية في 26 أكتوبر 1954م.
ثانيها: عدم قناعة بعض ما يمكن أن يقال عنهم في وصف هذا الزمان (!!) (قيادات) للعمل الميداني بسياسة التعامل مع نظام 1952 وخصوصا من كانوا قريبين من ضباط الانقلاب قبل 1952م وبينهم وبين جمال عبد الناصر وبعض الضباط الآخرين صلات شخصية.
ويمكن الجزم أنهم كانوا قسمين:
الأول ملتزم تماما ببيعته ولو كان رأيه مخالفا لمكتب الإرشاد والبعض الآخر وهم أقلية أطلق عليهم إخوانهم المعترضون لأخذهم موقف الاعتراض لأي قرار قبل دراسته بدقة وكانوا يحمّلون الأستاذ المرشد حسن الهضيبي (عليه رحمة الله) وبعض أعضاء المكتب مسؤولية الخلاف مع عبد الناصر بسبب ما كانوا يرونه من التعامل الجاف أو الخشن معه، وكانوا يرون حتى وهم خلف القضبان ومع الإجراءات التي قام بها نظام الانقلاب من إعدامات وتجاوزات بحقهم وحق إخوانهم فكان من رأيهم أن الفرصة لم تضع لإعادة التعاون معه، ويغلب على حديثهم أن وجودهم مع (جمال) بدلا ممن يلتفون حوله أجدى في إنقاذ مصر.
ثالثها: الغالبية من الإخوان على اختلاف ثقافاتهم وأحوالهم الاجتماعية والتي كانت على يقين بصحة سياسة مكتب الإرشاد وأن افتعال حادثة المنشية والحرب على الجماعة التي أراد نظام الانقلاب السيطرة على قرارها الخاص وهو امتداد للسياسة التي اعتمدتها الدولة عام 1948م خصوصا وأن نظام الانقلاب العسكري قد استعان بضباط وعناصر جهازها الأمني للحرب على الجماعة وأطلق يدهم في التجاوزات بما لم يحدث في أيام الملكية، إضافة إلى رؤيتهم الصحيحة لشخصية الرجل التي لم تكن على الإطلاق مثل ما كان يحاول هو أو حوارييه ترويجه.
(2)
وخلف أسوار سجن الواحات الشائكة في عمق الصحراء ومع وجود جميع أعضاء مكتب الإرشاد عدا الأستاذ عبد العزيز عطية (عليه رحمة الله) الذي تم وضعه في سجن بني سويف قبل نقله الى سجن المحاريق، ومع فسحة الوقت ليلا ونهارا للقاءات الإخوة والأحاديث حول الأحداث وما كان يصل إليهم من أخبار عن طريق أجهزة الراديو البدائية من إعلان النظام العسكري أنه قد قضى على الإخوان المسلمين وتجمع المعترضون (وهم قيادات!!) العمل الوسيط للجماعة بدأ الحديث يدور حول تقييم عمل الجماعة، يرتفع أحيانا ويخمد أخرى إلى أن جاء إعلان تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1954م وارتفاع نبرة الإعلام لتمجيد الفعل لترتفع معه حدة النقاشات حول سياسات الجماعة وبعدها يأتي إعلان الحرب الثلاثية (بريطانيا – فرنسا – إسرائيل) على مصر وما نجم عنه من تسليم قطاع غزة واحتلال شبه سيناء وترك السيطرة على خليج العقبة لقوات الأمم المتحدة العسكرية ووصول الجيش الإسرائيلي إلى شاطئ قناة السويس ووقوع عشرات الآلاف من الجيش المصري بين قتلى وجرحى وأسرى والمهجرين في معركة عسكرية يقودها صاغ (رائد) (عبد الحكيم عامر) لا ترتفع خبرته العسكرية عن قيادة كتبية وفي جيش لا يملك غير أسلحة بدائية في مقابل جيوش ثلاثة بإمكاناتها الحديثة وقياداتها المحترفة، مما أوجد قناعة لدى أعضاء مكتب الإرشاد إلى أن خلف قرار الــتأميم كارثة ستلحق باستقلال مصر مع صناعة زعيم جديد، وأن الاتفاقية مع شركة قناة السويس هي فعلا اتفاقية مجحفة لمصر ويمكن عن طريق الإجراءات القانونية أو المحاكم الدولية تعديلها في المدة الباقية منها ولم تكن أكثر من اثني عشر سنة حيث ينتهي امتياز الشركة تماما وتعود القناة وكل هياكلها إلى الدولة المصرية بحلول العام 1968م وأما المغامرة بالتأميم وبنقض بعض بنود اتفاقية الجلاء عن مصر عام 1954 الذي يعني التدخل العسكري الأجنبي فأمر فيه من الخطورة على استقلالها وخضوعها لإجراءات دولية هي أسوأ من الاحتلال المباشر نفسه، وهو للتاريخ ما حدث فعلا.
(3)
ومع صدمة مجرى سير المعارك وخصوصا التي أصابت الإخوة ضباط الجيش الذين شاركوا في معارك فلسطين عام 1948 وفي أحداث قناة السويس عام 1951 وبعضهم كانت رتبته العسكرية أكبر من رتبة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، ومعهم آخرون من الإخوة المدنيين الذين كانوا أعضاء في النظام الخاص وكان لهم مثل إسهامات إخوانهم العسكريين وأمر استخدام السلاح عندهم جميعا في كل الأزمات وخصوصا في مثل هذا الموقف هو الأولى، فقد بادروا إلى الطلب من مكتب الإرشاد السماح بإرسال رسائل إلى رأس النظام يطلبون فيها المشاركة في الدفاع عن مصر مع تعهد بعودة من يبقى منهم على قيد الحياة إلى السجون، وسرت الحماسة في قلوب إخوة آخرين في سجون أخرى غير سجن الواحات، ومع محاولات الإخوة أعضاء مكتب الإرشاد وإخوة آخرين توضيح صورة المؤامرة من خلال الحوار العقلاني إلا أن هذا الحوار لم يستمر مع الإخوة المندفعين بعد أن التقط الضباط المشرفون على السجن الخيط وعملوا على إيجاد فرقة حقيقية داخل الصف، وعندها سمح مكتب الإرشاد لمن يريد من الإخوة الذين غلبتهم الحماسة بالتقدم بهذه الطلبات التي تسلمتها إدارة السجن مع وعود بنقلها فورا إلى قيادة الجيش ورئاسة النظام اللذان يعملان على إعادة تشكيل الجيش مع الإشادة بهذه الروح الوطنية، ومرت الأيام ثم الشهور ولم يصل أي رد من القاهرة بما أخمد روح الحماس عند من لم يقتنعوا برؤية قيادة الجماعة فقد كان النظام يرجو أن تأتي هذه الخطوة من قيادة الجماعة ليتخذها اعترافا منها بشرعيته وليست من غيرها من الأفراد، وهنا بدأ التنازع يأخذ صورة علنية بعد أن انقلبت سلبية تجاهل النظام العسكري لهذا الحماس، ليعود الحديث مرة أخرى حول موقف قيادة الجماعة وخصوصا موقف الأستاذ المرشد حسن الهضيبي (عليه رحمة الله) من (الأخ!!) جمال عبد الناصر والتعامل معه بجفاء مع مواقف أخرى لبعض الإخوة ومنهم الأستاذ صلاح شادي عليه رحمة الله الذي رد على قول عبد الناصر في أحد اللقاءات (أنت مغرور يا جمال) عندما استمع من جمال عبد الناصر عن أنه سيقوم بتسيير الأمور عن طريق زر يضغط عليه فتقوم البلد ثم يضغط عليه مرة أخرى فتنام.
(4)
ومع هذا التنازع حول مواضيع مثل هل الجماعة أخطأت أم لم تخطئ في تعاملها مع مجموعة انقلاب 1952 من الضباط غير الإخوان، وهل كان الخلاف مع شخص جمال عبد الناصر شخصيا أم حول دور الجماعة المفترض حسب ما كانت هناك من اتفاقيات؟ هل كان موقف الإخوة أعضاء الجماعة ومنهم علماء شريعة من مؤازرة جمال عبد الناصر هو الصحيح لمواصلة رسالة الدعوة أم لا؟!
وفي ذروة الخلاف بدا لبعض من الإخوة أن يتقدموا بكتابة رسائل إلى النظام يبدون فيها استعدادهم للتعاون معه في خدمة وطنهم وبذل الجهد في سبيله، وكلهم تقريبا كانوا من فئة المعترضين التي أشرنا إليها في البند ثانيا، وكانت عين النظام في ذلك الوقت لما يحدث في السجون متفتحة ، وأعادت تقييم تجاهلها للرسائل الخاصة بمشاركة الجيش في الدفاع عن مصر وخصوصا أن الرسائل الجديدة أحدثت شرخا حقيقيا داخل الجماعة.
فلم يستغرق أمر الإفراج عن أصحابها غير أسابيع قليلة مما أحدث دهشة وصدمة في الصف دفع البعض الآخر إلى فعل ما فعله الفريق الأول، وهنا جاءت الصيغة التي طلبتها المباحث العامة بأن تحمل أي رسائل للنظام تبرؤًا من الجماعة وتأييدا لرأس النظام بالإسم، وبدأت وتيرة الإفراج تتباطأ خلافا لما حدث مع الدفعة الأولى لإحداث مزيد من الضغط .. ثم توالت البراءات وتوالت معها ضغوط جهاز المباحث العامة بما يتجاوز ما لم يكن يتصوره من انزلقت أرجلهم إلى هذا الطريق.
(5)
وللتاريخ وشهادة في حق الجماعة فقد كانت رؤية الأستاذ المرشد حسن الهضيبي (عليه رحمة الله) وبناءً على رؤيته للنظام العسكري ووقوفه المبكر على شخصية رئيسه أن هذه المحنة ستطول وستكون ثقيلة على الجميع، ويرى أنه لو ثبت وصمد أمامها عشرة بالمائة ممن صدرت ضدهم أحكام وتفرقوا في السجون فسيكون هذا نصرا كبيرا للجماعة وشهادة على ثباتها على ما ترى أنه الحق، وبفضل الله وحده ورحمته فإن من لجأ إلى الرخصة وسار فيما يقال عنه بعد ذلك التأييد لم يزد عن عشرة بالمائة رغم ضغط المحنة، وربط الله عز وجل على قلوب ما يزيد عن التسعين بالمائة وكان هذا الصمود صدمة للنظام العسكري كله وجنوده الذين قدموا أنفسهم لأعداء فكر جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج أنهم قد نجحوا في القضاء عليها قضاءً مبرما.
(6)
وتجري السنون ويختفي من على وجه الأرض النظام ورموزه ويخرج الإخوان ليواصلوا طريقهم في الدعوة إلى الله وليكونوا محضنا ربانيا خالصا للأجيال من بعدهم في إطار اليقين بصحة الدعوة وقيمة الأخوة في الله وما لها من رباط بين القلوب غفله نظام العسكر ومن وقف معه فقد كان الأخوة في السجون ومن تحملوا محنة 1954م على اختلاف أعمارهم ودرجاتهم العلمية وطبقاتهم الاجتماعية يوقنون أنهم على الطريق الصحيح وأن ما عليهم أداؤه هو الصبر والمصابرة والالتحام مثل الجسد الواحد بعضهم ببعض، وكان أمر الانفراد لديهم بعيدا عن الصف حتى ولو كان بسبب قناعات شخصية يرى صاحبها أنها صحيحة .. كان هذا الأمر (وما زال) يعادل الفرار من الزحف وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) وفي رواية أخرى (لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره)، كان هذا الحديث بعد تثبيت الله سبحانه للقلوب مانعا ودافعا للصمود والصبر مع الصف مهما كانت ظروف الأخ الفردية أو قسوة المحنة عليه.
فقد كان تفسير الإخوان لمضمون هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى وقد كتب عليهم هذه المحنة لنصرة الحق، فإن قيام أي أخ من بين صفوفهم بتقديم تنازل للظالم يعني أنه يخذل إخوانه ويظلمهم ويسلمهم إليه.
(7)
وتجري الأحداث سريعا في تاريخ مصر والجماعة لتؤكد على براءتها من خيانة أمانة الدين والوطن التي جرت من بيع مصر وإفقادها استقلالها والتهوين من دينها، فالصورة لم تختلف والتي تثبت أن جماعة الإخوان المسلمين كانت أكثر وعيا سياسيا من كثير ممن احترفوا السياسة، كما حدث مع الجماعة عام 1954م أعقبته أحداث 1956م، وكما جرى بعدها في سنة 1965م لتأتي أحداث عام 1967م وصولا لأحداث 2013م التي أرادوا فيها تغييب الجماعة في أحداث تفريط في الدين والوطن ليقينهم جميعا أن سياسة جماعة الإخوان المسلمين ليست لدنيا وغير قابلة للمساومة أو التسليم.
ويبقى سؤال نرجو من كل منصف الإجابة عليه: هل اختلفت سياسة الانقلاب الأول ونتائجه الكارثية في 1954م عن الانقلاب الأخير في 2013م مع نفس النتائج الكارثية؟! مع اتباعه لنفس السياسات القديمة في محاولة اكتساب شرعية مزيفة.
وبعد هذة الحقائق هل يحين الزمان الذي يشهد فيه الناس بشهادة حق في الجماعة.

شاهد أيضاً

مقتل صحفية بلغارية تحدثت عن فساد بالاتحاد الأوروبي

بدأت السلطات البلغارية بالتحقيق في مقتل صحفية تحدثت في برنامجها التلفزيوني عن قضايا فساد، عثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *