المشهد المصري: التحولات وفرص التغيير

مقال:لدكتور \ عمر دراج

بعد مرور أكثر من 7 سنوات على ثورة يناير شهدت خلالها مصر أحداثا ضخمة متوالية لازالت أثارها وتبعاتها مستمرة حتى هذه اللحظة، تظل قراءة المشهد المصري وفهمه بصورة دقيقة ومحدثّة طلباً ملحاً لكل المهتمين بالحالة المصرية والراغبين في إحداث التغييرات التي طالبت بها ثورة يناير.
بينما كانت ثورة يناير تمثل ثورة شعبية حقيقية على الفساد والاستبداد وميراث عقود طويلة من الحكم العسكري والاستبدادي، شكلت في نفس الوقت فرصة نادرة للانطلاق نحو حياة سياسية واجتماعية حقيقية تتسم بالتنافس الديمقراطي الحزبي والمشاركة في الحكم وإزاحة العوائق المكبلة للعمل السياسي والمدني، والتي ترسخت على مدار العقود السابقة، ومن ثم خلقت البيئة السياسية والاجتماعية الجديدة بعد ثورة يناير مساحات للأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني كأدوات رئيسية للتعبير السياسي والتصدي للشأن العام وتمثيل قطاعات مختلفة من الشعب، وهو ما ظهر بشكل واضح من خلال الأحزاب الجديدة المتنوعة ومؤسسات المجتمع المدني الناشئة التي تشكلت وتواصلت مع الجماهير مباشرة، ودون أي قيود، وأفرزت تلك البيئة المستجدة دستورا جديدا وبرلمانا ورئيسا منتخبين.
في حين أجهض انقلاب الثالث من يوليو 2013 كل المكتسبات الوليدة بعد ثورة يناير، وقام بإقصاء معظم القوى السياسية والمجتمعية التي شاركت بفاعلية في الثورة، ومارس انتهاكات وأعمالا قمعية عنيفة على الحياة السياسية والمجتمع المدني والإعلام والاقتصاد، عاد المشهد المصري إلى صورة أكثر قتامة من تلك التي كانت سائدة في عهد مبارك، وفي نفس الوقت استمرت السلطة المتمثلة في قيادات المؤسسة العسكرية في تكريس نظرتها لطبيعة العلاقة بين الجيش والدولة والشعب والتي تتلخص في اعتبار مصر كجيش تقوم على خدمته دولة، وليس دولة لها جيش وطني ذو مهام محددة.

أولاً: التحولات الراهنة في المشهد المصري

المتابع للمشهد المصري منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 حتى هذه اللحظة يستطيع أن يُدرك حجم التغيير الذي طرأ على شكل الحكم من الانتقال من حكم عسكري مباشر يمثل فيه السيسي المجلس العسكري ويعبر عن إرادته، إلى حكم فردي دكتاتوري، وهو سيناريو نمطي متكرر عقب أغلب الانقلابات العسكرية (يوليو 1952 نموذجا)، حيث عمد السيسي إلى تركيز السلطة في يديه واحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والسيادية بشكل يفوق العهود السابقة ايام السادات ومبارك، بل وحتى عبد الناصر، وقام السيسي بهذا التحول عبر عدة مسارات، تكتمل مظاهرها في الوقت الحالي، ومن أهمها:

1ـ السيطرة الكاملة وتأميم الحياة السياسية
إن عقد مقارنة بسيطة بين نتائج وارقام انتخابات برلمان 2011 ونتائج وارقام انتخابات برلمان 2015 كافية ان تشير إلى حجم التغيير الذي احدثه النظام الحالي على الحياة السياسية والحزبية، فبينما وصلت نسب المشاركة الشعبية في انتخابات برلمان 2011 إلى نحو 60% من أصل مجموع عدد الناخبين، وهي نسبة غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث، تقلصت هذه النسبة إلى ان وصلت إلى 28% بحسب الرواية الرسمية للنظام (وأقل من ذلك بكثير وفقاً للتقديرات الحقيقية وبالمقارنة بمشهد اللجان الانتخابية بين الحالتين). وبينما تشكل برلمان 2011 من 95% من الاحزاب السياسية و5% فقط من المستقلين تقلصت نسبة ممثلي الاحزاب في برلمان 2015 إلى أن وصلت إلى 43% وارتفعت نسبة المستقلين حتى وصلت إلى 57% في دلالة على ضعف الاحزاب وسيطرة النظام بدفع المستقلين داخل البرلمان ممن توجههم الأجهزة السيادية المختلفة. وعلى الجانب الأخر، وفي اشارة إلى حجم الانتهاكات وأعمال القمع التي مارسها النظام المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو تجاه الاحزاب السياسية التي كانت فاعلة بعد ثورة يناير نكتفي هنا بالإشارة إلى ان نحو 50% من الاحزاب السياسية التي شاركت في انتخابات 2011 لم تشارك في انتخابات 2015 نتيجة الحظر والقمع والتضييق .
ويبدو أن السيسي مع انتهاء “الانتخابات الرئاسية” 2018، واستمراره في الحكم لأربع سنوات قادمة يتجه إلى استكمال السيطرة على المشهد السياسي من خلال محاولة تجميع كل القوى السياسية الموالية تحت حزب واحد موالي يصل عدد المنتمين له إلى أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان، بينما تتجمع القوى السياسية “المعارضة” تحت لواء حزب واحد أو حزبين، وتمثل ذلك في سعي حزب الوفد لتزعم المعارضة الموالية للنظام داخل البرلمان من خلال دعوة وجهها للأحزاب السياسية للاندماج والدخول تحت مظلة الحزب.
وتبقى تلك الأحزاب بأشكالها المختلفة تحت سيطرة السيسي وسيطرة جهاز المخابرات الحربية، بعد ان كان أعضاء البرلمان يتوزعون في التبعية لأجهزة سيادية مختلفة، ومع استمرار الانتقادات الخارجية الموجهة للسيسي بسبب تقويض وإضعاف الحياة السياسية سيكون من المناسب اصطناع مظهر لحياة سياسية تتميز بتعددية حزبية قوية من خلال وجود عدد محدود من الأحزاب تحت سقف البرلمان، تقوم فيما بينها بأدوار الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة. وعلى المستوى الداخلي سيكون من المناسب أيضاً ضبط عشوائية الأحزاب خاصة مع بداية فترة رئاسية جديدة من المحتمل أن تشهد تعديلات دستورية تتعلق بمد أجل رئاسة السيسي، ومزيداً من إقرار القوانين والقرارات، فضلاً عن حاجة السيسي لظهير سياسي متماسك على غرار الحزب الوطني الديمقراطي في زمن مبارك بعد أن اشارت كل الدلائل لتآكل شعبيته في الشارع المصري.
من المهم الإشارة هنا إلى مظهر آخر من سعي السيسي للسيطرة التامة على الحياة السياسية، بدا ذلك من خلال الإجراءات والانتهاكات التي مارسها السيسي ونظامه قبل واثناء الانتخابات الرئاسية 2018 والتي كان ابرزها الممارسات التي تمت بحق جميع المرشحين الجادين في خوض الانتخابات والتي اتسمت بالتهديد والاستبعاد بل والحبس لمرشحين مثل أحمد شفيق وأحمد قنصوه وسامي عنان، أو هؤلاء الذين دفعوا للانسحاب يأساً من عملية انتخابية نزيهة مثل خالد علي ومحمد أنور السادات.

2ـ السيطرة الأمنية والقمع وانتهاكات حقوق الإنسان
السيطرة بالخوف والرعب على المجتمع، هي سياسة اتبعها النظام منذ اليوم الأول للانقلاب العسكري كعملية منهجية من الممارسات والانتهاكات والقمع ضد الحركات والمؤسسات والأفراد الفاعلة والمؤثرة داخل المجتمع بهدف تكريس الخوف وتقزيم وانهاء أي حالة من حالات الشعور بالكرامة والرغبة في العمل لخدمة الوطن وتحقيق الأهداف التي سعى الشعب لتحقيقها في يناير 2011، بحيث يعيش المجتمع في حالة من الخوف والذعر من ملاحقة الأجهزة الأمنية وتحقيق ما أسماه البعض ب “جمهورية الخوف“. ولم يكتف النظام بتلك الممارسات، وانما سعى إلى إلباسها الثوب القانوني من خلال استخدام مؤسسة القضاء واستقطاب بعض القضاة وإغرائهم بالمزايا المادية والمعنوية لاستمرار وتكريس وتقنين الانتهاكات. والهدف الرئيسي من تلك العملية المنهجية هي تكتيف المجتمع وانهاء فاعليته التي وصلت إلى أعلى درجاتها بعد ثورة يناير، وارسال رسالة تفيد بأن أي شخص يشارك في العمل المعارض أو المناهض للنظام أو يسعى للتغيير أو حتى يعبر عن رأيه بشكل عام، سيتعرض لتلك الممارسات والانتهاكات.
سأكتفي هنا بالإشارة السريعة إلى بعض الإحصائيات والأرقام التي تعبر عن حجم انتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها النظام المصري، حيث بلغت حالات القتل خارج إطار القانون 3132 حالة على يد قوات الشرطة والجيش في الفترة من يونيو 2014 إلى مارس 2018 وبلغت حالات الإخفاء القسري 1290 حالة في الفترة من يونيو 2013 إلى اغسطس 2017 (الأرقام الواردة تم تجميعها من التقارير الصادرة عن مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، على سبيل المثال، ارشيف التعذيب 2016 وحصاد القهر في 2015 ( ، في حين بلغ عدد المدنيين الذين تم محاكمتهم أمام القضاء العسكري 15500 مواطن في الفترة من اكتوبر 2014 إلى سبتمبر 2017 وبلغ عدد الأشخاص الذين حكم عليهم بالإعدام 800 شخص في الفترة من يوليو 2013 إلى يناير 2018، تم تنفيذ 33 حالة إعدام منها بالفعل.

3ـ التحكم التام في الاقتصاد واحتياجات الناس
عمد النظام إلى دفع المؤسسة العسكرية للبروز ليس كمركز قوة عسكرية فقط ولكن كمركز قوة اقتصادية لا يستهان بها لتنتقل تدريجيا الاحتكارات في السوق المصرية من رجال الاعمال إلى المؤسسة العسكرية، التي قامت في السنوات القليلة الماضية بما يمكن أن نسميه عملية ابتلاع للاقتصاد المصري، ليس بهدف تحقيق ارباح ومكاسب مادية لموازنة نفقاتها العسكرية فقط، ولا حتى لتحقيق مكاسب شخصية كبيرة، ولكن أيضاً بهدف تحقيق سيطرة وهيمنة على الاقتصاد المصري والتحكم في معاش المواطنين وهو أمر ظهر بوضوح من خلال احتكار المؤسسة العسكرية للاحتياجات الأساسية للمواطنين (القمح والسكر وألبان الأطفال، ..الخ)، مما يتيح إجهاض أية تحركات احتجاجية بالتهديد بالأزمات المعيشية ومنع الاحتياجات الأساسية.
وقد حدث على مدار السنوات الخمس الماضية تدهور كبير في الحالة الاقتصادية التي تمس السواد الأعظم من المواطنين في البلاد، حيث تجاوزت معدلات التضخم 33% في 2017 ووصل إجمالي الدين الخارجي 82 مليار دولار في نهاية 2017 في حين بلغ عجز الموازنة 438 مليار جنيه مصري. ولا يمكن إرجاع هذه الحالة لمجرد الفشل في إدارة الاقتصاد، أو حتى كمجرد نتيجة للفساد المستشري، حيث توجد شواهد كثيرة على تعمد الوصول إلى هذه الحالة بهدف “القمع الاقتصادي” للناس بعد قمعهم أمنياً، بما يجعلهم يدورون ليلاً ونهاراً بحثاً عن معاشهم وحاجتهم الأساسية مما لا يترك وقتاً ولا طاقة لأي مطالب بديمقراطية أو حريات في ظل انتهاك الحقوق الأساسية الأخرى وفي مقدمتها الحق في العيش الكريم.

4ـ الإجهاز على الطبقة المتوسطة
يدرك السيسي دور الطبقة المتوسطة في حيوية المجتمع ومنعته وكذلك في الحرص على الحقوق والحريات العامة، وبالتالي دورها المهم في الثورات والاحتجاجات، وما يمكن أن تشكله من رافعة لأية معارضة حقيقية تطالب بالحريات أو تطالب بتغيير للنظام الحاكم على غرار ما حدث في 2011، وهو ما دفع السيسي إلى إتباع سياسات الإفقار المتعمدة بهدف الإجهاز على الطبقة المتوسطة، أو على الأقل إضعافها تمهيداً للقضاء عليها، لتنتقل تلك الطبقة إلى الطبقة الفقيرة المنهكة في تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة الرئيسية ويختفي من مجالات الاهتمام لديها أية مساحة للمطالبة بالحقوق السياسية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، مما أدى في النهاية إلى شبه اختفاء تلك الطبقة كمكون رئيسي داخل المجتمع المصري، وهو ما يفقد المجتمع أهم عناصر حيويته وفاعليته، يكفي الإشارة هنا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء في اواخر 2016 التي تشير إلى أن 85% من الأسر المصرية تنفق أقل من 4000 جنيه مصري شهرياً وهو ما يقل عن حد الفقر العالمي بحساب المعدل للفرد الواحد (دولارين يوميا للفرد).
في نفس الوقت حرص النظام على دعم جزء صغير فقط من الشعب لتكوين طبقة متوسطة موالية له من أفراد المؤسسة العسكرية والاجهزة السيادية والأمنية والقضاة، وحرص على تحقيق مزايا كبيرة لهم ليحافظ على دعم هذه الفئة له وارتباط مصالحهم والامتيازات التي يتحصلون عليها بوجوده واستمراره على رأس السلطة، وتظل تلك الفئة وإن كانت تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو فوق المتوسطة ولكنها صغيرة ومصطنعة ولا تمثل بأي حال من الاحوال طبقة متوسطة عامة منتشرة داخل المجتمع المصري بكل فئاته الاجتماعية.

5ـ الإجهاض التام للمجتمع المدني وحرمانه من مصادر القوة الذاتية
يعمل النظام الحالي منذ انقلابه على الديمقراطية على التحكم الكامل في قوى ومنظمات المجتمع المدني التي اصبحت غير قادرة على العمل بشكل فعال بسبب التضييق المستمر واستحداث قوانين مكبلة للعمل المدني داخل المجتمع المصري من خلال قانون الجمعيات الأهلية الذي تم إقراره في 2017 بهدف إغلاق المجال العام والقضاء على الحالة المجتمعية النشطة التي كانت إحدى ثمرات ثورة يناير المباشرة، وفي نفس الوقت السماح فقط لمنظمات المجتمع المدني الدائرة في فلك النظام بحرية العمل والحركة واحتكار العمل الخيري من خلال الجمعيات الموالية للنظام فقط، ذلك فضلا عن الاستهداف والقمع حتى خارج إطار هذا القانون، وعلى سبيل المثال تعرضت كثير من المؤسسات الحقوقية للمنع والتضييق وكان ابرزها إغلاق السلطات المصرية لمركز “النديم لضحايا العنف والتعذيب” وقيام مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بإغلاق مكتبه في القاهرة بسبب تصاعد الضغوط الأمنية عليه.

6ـ تكبيل وإخضاع الإعلام والصحافة
بعد انقلاب الثالث من يوليو بدت بوضوح الإجراءات التي قام بها النظام لإخضاع غالبية وسائل الإعلام والصحافة، ومع مرور الوقت استمر النظام في منهجية الإخضاع والسيطرة عبر إنشاء المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، لفرض مزيد من الرقابة على الإعلام والصحافة وبهدف تقويض دور نقابة الصحفيين في دعمها لحرية الرأي والتعبير. ولم يكتف النظام لبسط سيطرته على الاعلام والصحافة من خلال المؤسسات التي انشأها حديثاً بل سعى أيضاً إلى صياغة قوانين مكبلة للعمل الصحفي وحرية الرأي من خلال مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي وافق عليه البرلمان في يونيو 2018، فضلا عن شراء القنوات التلفزيونية من قبل شركات تابعة بشكل مباشر للأجهزة المخابراتية، والتحكم الكامل في إدارتها.

7ـ التحكم والسيطرة على المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية
بعد أن أحكم السيسي سيطرته على المشهد السياسي والاقتصادي والمجتمعي، يستكمل تلك الحلقة بالسيطرة التامة على المؤسسة العسكرية بعد أن كان ممثلاً لها في الحكم، وذلك عن طريق تغيير تدريجي لجميع قيادات المجلس العسكري التي كانت موجودة داخل المجلس وشاركت في الانقلاب العسكري، عدا ثلاث قيادات فقط لاتزال موجودة في وقت كتابة هذه الورقة (رئيس الاركان الفريق محمد فريد حجازي ومدير الشؤون المالية اللواء محمد امين نصر ومدير الشؤون القانونية اللواء ممدوح شاهين). ويصل عدد قيادات المجلس العسكري التي تخلص منها السيسي حتى الآن إلى 33 قيادة عسكرية، وهو نموذج تقليدي ومتوقع في أعقاب الانقلابات العسكرية، حيث شرع السيسي في التخلص من جميع قيادات المجلس العسكري منذ بداية الانقلاب بهدف تركيز كل مصادر القوة والنفوذ تحت يديه كحاكم أوحد، والانتقال من الحكم العسكري إلى حكم الفرد بعد أن تخضع المؤسسة العسكرية لسيطرته بشكل كامل.
وتعد تلك الاستراتيجية التي انتهجها السيسي ومحاولاته المستمرة في تركيز القوة والنفوذ تحت يديه، هي الملمح الأبرز لسياسة السيسي في تلك المرحلة، وربما جاء قانون تحصين كبار قادة القوات المسلحة الصادر حديثا كنتيجة مباشرة لسياسة السيسي في التخلص من القيادات العسكرية التي شاركته في انقلاب الثالث من يوليو، الامر الذي ربما اثار قلق قيادات المجلس العسكري السابقة، لا سيما بعد عدة تغييرات طالت حتى رئيس اركان الجيش وصهر السيسي الفريق محمود حجازي ووزير الدفاع الفريق أول صدقي صبحي الذي كان السيسي يسوق وهم تحصين منصبه دستورياً، وبعد التعامل مع ترشح الفريق سامي عنان رئيس الأركان الأسبق بطريقة بعيدة عن تقاليد المؤسسة العسكرية.
ويبدو أن القانون ليس الهدف منه فقط الحصانة الداخلية والخارجية لكبار القادة العسكريين بقدر ما هو محاولة من السيسي إلى تهدئة وطمأنة كبار قيادات المؤسسة العسكرية التي ترضخ لسياسات السيسي (في مقابل تلك التي تخرج عن النص أمثال عنان وقنصوه)، ووضع إطار عام للتعامل بين السيسي وتلك القيادات تضبط الخلافات والصراعات المحتملة وتحافظ على صورة المؤسسة العسكرية وتماسكها تحت هيمنة السيسي.
لم يختلف الأمر كثيرا من ناحية المؤسسات الأمنية، حيث كان واضحاً منذ ثورة يناير وحتى انقلاب الثالث من يوليو تراجع نفوذ وسيطرة جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) كأهم وأبرز الأجهزة الأمنية ايام مبارك في مقابل ازدياد نفوذ المخابرات الحربية وسيطرتها على جهاز الأمن الوطني. وفي حين ظل هناك صراع خفي بين جهازي المخابرات الحربية والعامة، بعد انقلاب الثالث من يوليو، واستمراراً على نفس النهج وفي محاولة من السيسي للسيطرة على جهاز المخابرات العامة، قام باستبعاد الكثيرين من كبار العاملين بالجهاز حتى انتهى الأمر بإقالة اللواء خالد فوزي مدير المخابرات العامة وتعيين اللواء عباس كامل أحد ابرز العسكريين المقربين من السيسي ومدير مكتبه السابق بدلاً منه، مع تقليص نفوذ المخابرات العامة في إدارة الكثير من الملفات الهامة التي كانت تحت سيطرتها من قبل.

8ـ الأدوار الوظيفية الإقليمية والدولية لتأمين الدعم الخارجي
يستمد النظام قوته من سند ودعم إقليمي ودولي كبير، بصرف النظر عن كل ممارساته السلبية السابق ذكرها، وهو أحد مصادر القوة الرئيسية للنظام. ويكتسب السيسي هذا الدعم عن طريق الادوار الوظيفية الهامة التي يقدمها للقوى الاقليمية والدولية، مما يستجلب دعم تلك القوى للسيسي ويجعلها حريصة على بقائه من أجل استمرار تحقيق اهدافها ومصالحها، الأمر الذي يجعل السيسي يسير في اتجاه شراء شرعيته الخارجية من خلال ما يقدمه من خدمات هي لا تخدم بالضرورة المصالح الوطنية والقومية، ومستغلاً ازدواجية المعايير التي تنتهجها القوى الدولية من أجل تحقيق مصالحها بغض النظر عن شرعية السيسي الحقيقية والممارسات والانتهاكات التي يرتكبها بشكل فج ومستمر.
استغل السيسي الازمات المشتعلة في المنطقة ليقوم بأدوار تتماشى مع مصالح قوى إقليمية ودولية تحقق له الدعم الخارجي، ومن ابرزها الدور المصري في الأزمة الليبية والدعم السياسي والعسكري واللوجيستي للجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” قائد ما يسمى بالجيش الوطني الليبي والمدعوم من فرنسا والإمارات، فضلا عن التنسيق الأمني والسياسي بين مصر والكيان الصهيوني بشكل متصاعد لم يشهده تاريخ العلاقات بين الطرفين، وصولا إلى حالة من التفاهم والتوافق والسير في اتجاه إتمام ما يسمى بصفقة القرن، إضافة إلى الدور المتناغم مع توجهات السعودية والإمارات في ملاحقة التيار الإسلامي وقمعه ومحاولة القضاء عليه قضاء مبرما، وغير ذلك مما هو معلوم أو لازال في طي الكتمان ولم يكشف عنه النقاب بعد. في مقابل تلك الأدوار الوظيفية كان التواطؤ الواضح من القوى الدولية التي تدعي الديمقراطية بشأن الانتهاكات والممارسات التي يقوم بها السيسي تجاه المعارضة والناشطين السياسيين، بل لم يقتصر دور القوى الدولية على السكوت عن الحالة المزرية لحقوق الإنسان في مصر، والتواطؤ فقط في دعم نظام السيسي فقط، ولكنه امتد إلى شبهة المشاركة في انتهاكات بحق الناشطين السياسيين والتي كان ابرزها احتجاز الشرطة الايطالية بطلب من السلطات المصرية مؤخرا للدكتور محمد محسوب الوزير المصري السابق في فترة حكم د. محمد مرسي، وهو أمر تكرر في مواقف مختلفة كما حدث مع الاعلامي احمد منصور عندما اعتقلته الشرطة الالمانية في مطار برلين بطلب من مصر، كذلك الناشط السياسي عبد الرحمن عز عندما احتجزته السلطات الالمانية ايضاً بطلب من الشرطة الدولية (إنتربول) صدر بناء على بلاغ من النظام المصري.

 

ثانياً: مستقبل النظام الحالي في مصر

ربما يُظهر المشهد الحالي على المدى القصير، في ضوء العرض السابق، تحكم وسيطرة السيسي على مقاليد الأمور، إلا أن النظرة المتعمقة تكشف عن هشاشة الوضع وعدم قابليته للاستمرار على المدى المتوسط والطويل، استناداً لطبيعة العوامل التي يعتمدها السيسي الآن في السيطرة، وذلك لعدة أسباب:
تبدو أغلب مظاهر سيطرة النظام بوسائل لا ترجع لعوامل مستمدة من قوة ذاتية أهمها تلك التي تستند على القبول الشعبي العام، أي عوامل خارج إطار الشرعية الشعبية، ولا يبدو أن النظام المعزول عن واقع المواطنين يمتلك في الوقت الحالي شرعية حقيقية مستمدة من الشعب حيث أن الشرعية الحقيقية التي يحصل عليها أي نظام حاكم تستمد من رضا الشعب، التي تتحقق من خلال تحقيق طموحات وآمال الشعب وليس بالقهر والتجويع والتخويف، وكل مصادر القوة التي يستند إليها السيسي في التحكم والسيطرة، عدا الرضا الشعبي، هي مصادر قابلة للتغيير والتقلب تحت تأثير دوافع كثيرة قد تخرج عن نطاق سيطرته.

حالة الغضب الكامنة والمتصاعدة لدى قطاعات متعددة داخل المجتمع واتساع نطاقها بسبب تردي الأحوال المعيشية والاقتصادية واستمرار القرارات الاقتصادية بالغة الصعوبة والتي تعاني منها الأغلبية الساحقة من الشعب المصري لاسيما مع غياب أي أفق لتبدل الأحوال الاقتصادية إلى وضعية أفضل يشعر بها المواطنون، وقد وصلت حالة السخط وعدم الرضا الشعبي عن الأوضاع التي تمر بها مصر إلى مستويات غير مسبوقة يمكن مثلا ملاحظتها بوضوح على وسائط التواصل الاجتماعي.

يتجه النظام الحالي إلى إنتاج مشهد يقارب مشهد السنوات الاخيرة لعهد مبارك ولكن بشكل أكثر قتامة، حيث دفع النظام إلى سياسات تؤدي إلى الاغلاق التام للمجال العام والمجال السياسي والقضاء على فاعلية المجتمع المدني، وهو أمر يتسبب على المدى البعيد في زيادة حالة الاحتقان السياسي والمجتمعي، وذلك مثلاً في مقابل السياسات التي كان ينتهجها نظام مبارك (عدا سنواته الخمس الأخيرة) من ترك مساحة للحراك السياسي والمجتمعي تخفف قدراً من الاحتقان السائد جراء تبعات الدكتاتورية والحكم الفردي.

تتدهور الصورة الذهنية الإيجابية للمؤسسة العسكرية لدى الشعب بشكل ملحوظ بعد انقلاب الثالث من يوليو، وتبدلت الصورة لدى العديد من المواطنين إلى نظرة سلبية ترى تحول المؤسسة العسكرية من مؤسسة وطنية تحمي الوطن وتدافع عن أراضيه إلى مؤسسة قمعية، أيديها ملوثة بدماء الشعب وآلامه، تحقق منافع اقتصادية جمة، تؤدي وظائف وادوار تخدم مصالح قوى اقليمية ودولية وبعيدة عن تحقيق المصالح القومية، وتتعاون بل وتتحالف بشكل غير مسبوق مع الكيان الصهيوني. وتمثل الصورة الذهنية المتغيرة والتي تزداد سوءاً لدى العديد من القطاعات الشعبية دون شك هاجساً لدى أفراد المؤسسة العسكرية ستؤدي إن عاجلاً أو آجلاً عندهم لحالة من عدم الرضا والرغبة في العودة إلى الصورة الذهنية الإيجابية.

على المدى البعيد لا تؤمن ممارسات القمع والانتهاكات العنيفة استمرار النظام وترسيخ حكمه حيث أن الخوف والذعر الذي يرسخه النظام لدى المواطنين في حال تساويه مع معاناة الأوضاع المعيشية والاقتصادية السيئة يؤدي في حالات كثيرة إلى حالات انفجار داخلية وبغض النظر عن أشكالها أو مظاهرها لكنها تهدد استقرار النظام وربما تتسبب في الإطاحة به.

عدم قابلية الطبقة المتوسطة الموالية للنظام من أفراد المؤسسة العسكرية والاجهزة السيادية والأمنية والقضاة للاستدامة واستمرار الحصول على المزايا، وذلك لسببين رئيسيين، ضعف القدرة الاقتصادية في ظل تراجع إمكانيات الدولة مع الوقت، وتضاؤل القدرة الاجتماعية للدولة للقيام بوظائفها الرئيسية لمستقبل أبناء الوطن بما فيه ابناء هذه الطبقة.

بالرغم من الدعم الإقليمي والدولي للنظام الحالي يبقى هذا الدعم الخارجي أمراً متغيراً وغير ثابت في ظل التحولات والمتغيرات الكبرى الإقليمية والدولية المتزايدة في السنوات الأخيرة، وتبدٌل خرائط التحالفات بين القوى الإقليمية والدولية المستمر، مما يدفعنا إلى عدم الجزم باستمرار الدعم الإقليمي والدولي للنظام، وتاريخ التخلي عن الحكام الديكتاتوريين بعد استيفاء ادوارهم مليء بالأمثلة من شاه إيران ونورييجا في بنما إلى بينوشيه في شيلي وصولاً إلى حسني مبارك نفسه في مصر.

لازالت ذاكرة الربيع العربي قريبة، وهذا هو العامل الأهم من وجهة نظري، وهناك اجيال شاهدت وعاصرت الربيع العربي ولا زالت تحلم بالتغيير وتنتظر الفرصة المواتية، ليس بالضرورة بنفس الشكل السابق الذي بدأت عليه الثورات، فالمارد الذي انتفض بشكل متزامن باتساع المنطقة العربية الجغرافي، لا يمكن له أن يرضى بسهولة ويعود إلى سجنه، خاصة أن عوامل انتفاضته الآن قد تزيد عشرات المرات عن تلك العوامل التي دفعته للحراك في 2011.

 

ثالثاً: دور المعارضة المصرية:

المتابع للمشهد المصري ربما يتوقع حدوث تغيير على المدى المتوسط عبر مسارين، ثورة للجياع وفوضى عارمة، أو مسار التغيير الرشيد واستدراج الاخطاء، وإن كان استبعاد سيناريو الفوضى هو أمر منطقي في الوقت الراهن، إلا أنه لا يمكن أن يكون مستبعداً على المدى المتوسط والطويل نظراً لسياسات الخراب المتعمد التي ينتهجها السيسي ونظامه. إلا أن الحس الوطني السليم يجب أن يعمل على ألا تحدث حالة من الفوضى العارمة خارج نطاق السيطرة بهذا الشكل، لما قد تسببه من ضرر مجتمعي على مدى زمني ممتد ويصعب إصلاحه، ولكن ينبغي، من وجهة نظري، على القوى السياسية المؤمنة بثورة يناير وبالحاجة للتغيير الشامل السعي إلى طريق التغيير الرشيد وذلك عبر مسارين رئيسيين:

الأول: عدم تكرار اخطاء ثورة يناير:
التي وقع فيها الجميع، وأهمها عدم الجاهزية للانتقال السياسي السليم في أعقاب الثورة وبالتالي تم تسليم إدارة المرحلة الانتقالية للمجلس العسكري، حيث يجب من الآن التخطيط الجيد للتغيير الرشيد حينما تتحين الفرصة وتأتي لحظة التغيير، وذلك عبر إعداد دراسات عميقة وتصورات واضحة لعدد من الملفات الرئيسية اللازمة للانتقال الديمقراطي السلمي ومنها على سبيل المثال:

العلاقات المدنية العسكرية، وهو الملف الأبرز والتحدي الأكبر أمام أي تغيير سياسي مأمول في مصر في السنوات القادمة، ويحتاج إلى وضع تصورات واضحة لإدارة العلاقة بين النخب السياسية المدنية والعسكريين، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية الحالة المصرية التي تختلف إلى حد كبير عن نماذج الانتقال الديمقراطي وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية التي جرت في العقود الماضية في أكثر من بلد.
العدالة الانتقالية، ووضع تصور وتحديد الآليات المناسبة لمنظمات المجتمع المدني والجهات القضائية التي تمكنها من تحقيق العدالة واستيفاء الحقوق وصياغة سياسات المساءلة والمصالحة الوطنية.
صياغة عقد اجتماعي جديد قائم على تحقيق التنمية والحفاظ على الحريات العامة والكرامة الإنسانية.
صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية على المستوى الكلي، وفي نفس الوقت تحسين معاش المواطنين وتوسيع نطاق الاستفادة من الثروة.
استعادة لحمة المجتمع بكافة طوائفه والخروج من حالات الاستقطاب الشديدة بمظاهرها المختلفة.
الملفات المختلفة للسياسات العامة بدءا من بناء الإنسان: القيم – التعليم – الصحة، وانتهاءً بملفات التنمية وكل ما يتعلق بالطاقة والغذاء والاسكان والمواصلات.
تمويل عمليات التنمية المطلوبة بمكافحة الفساد، ثم باستنفار الطاقات والموارد المجتمعية: نظم الوقف، تقوية المجتمع المدني، توسيع ودعم الطبقة المتوسطة.
والمذكور هو فقط عناوين الملفات، وتحتاج تضافر جهود الباحثين والسياسيين ولمهتمين بشكل عام في الإسهام في صياغة الأفكار والمبادئ والاستراتيجيات والسياسات المتعلقة بكل ملف.

الثاني: السعي الجاد للتغيير والاستفادة من الفرص:
إن الوضع القائم حاليا في مصر لا يمكن قبول استمراره لفترة طويلة، نظرا للتدهور السريع في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية تحت حكم السيسي، بما يمكن أن يؤدي إلى حالة من العنف والفوضى سيكون من الصعب تدارك أثارها السلبية على مصر والمنطقة بأسرها في المستقبل، فضلا عن الإهدار المستمر للموارد البشرية والاقتصادية وغيرها مما سيصعب كثيرا من مهمة الأجيال القادمة في استعادة مكانة مصر وتنميتها.
ومن هذا المنطلق، فيجب على كل القوى الحية في المجتمع العمل الحثيث لتغيير الواقع الأليم الذي تعيشه مصر حاليا، طبقا لمنهجية التغيير الرشيد، وهذا يقتضي عددا من الخطوات الهامة التي ينبغي اتخاذها:

استدراك ما فشلنا فيه والاستفادة من أخطائنا والخروج من حالة اليأس والاحباط لما يلزم لمعركة النفس الطويل.
الربط بين قوى الربيع العربي والتغيير على مستوى الأمة كلها، ومواجهة قوى مضادات الثورات كوحدة متماسكة تسخر لها كافة الامكانيات كما يواجهون هم قوى التغيير كجماعة متماسكة تسخر لها كافة الإمكانيات.
الاستفادة بحرية الحركة النسبية للقوى المعارضة بالخارج التي لم تستثمر بعد بالطريقة المثلى في عملية التغيير السياسي المنشود.
صناعة الكوادر في جميع المجالات وعدم استنفاذ قدرات الشباب في معاناة يومية ومعيشية مستمرة.
استثمار قدرات المعارضين والمقاومين في الداخل والربط بينهم وبين حركة الخارج بقدر الإمكان، مع توزيع الأدوار والاستفادة بقدرات كل من يعمل على إحداث التغيير المنشود في مصر.

خاتمة:

بالرغم من سعي السيسي إلى تركيز السلطة بين يديه ومحاولاته المستمرة لإحكام السيطرة على مكونات المشهد المصري، إلا أن تلك السيطرة ستظل هشة مادامت قائمة على عوامل خارجية وليست العوامل الذاتية المتعلقة بالشرعية الداخلية القوية والمبنية على شعبية حقيقية، وهو ما يدفعنا إلى أمل ورغبة في تغيير المشهد المصري البائس الذي لا يليق بمكانة وتاريخ مصر، ويدفعنا إلى الإيمان بأن العمل الجاد والمستمر هو السبيل لتحقيق هذه الرغبة، وهو ما يجب ان تدركه القوى الرافضة والمعارضة للسيسي بجميع توجهاتها وانتماءاتها، ويجب عليها وفق هذا الإدراك السعي في مسارات عدة، لعمل الحاضر والبناء للمستقبل على حد سواء، وإلا سيتخطى الزمن تلك القوى وستسري عليها سنة الاستبدال بقوى تبادر بمشاريع ورؤى جديدة تكون قادرة على إحداث التغيير المنشود.

شاهد أيضاً

بعد اختراعهم روبوت كاشف للألغام … أطفال بالإسماعيلية يبحثون عن دعم لاستكمال مسيرتهم!!

“مصطفى وشهد وزياد واحمد وشريف وجاسر ومحمد وعلي ومروان وجودي”، فريق عمل لأطفال تتراوح أعمارهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *