أعمال الحج … دورة تدريبية متقدمة ..بقلم/ أبو بكر نور الدين

جاء الإسلام كمنهج حياة للإنسان ، وحرص على غرس معانيه بين الناس وفى نفوسهم بطرق عملية متنوعة ومؤثرة ، يخاطب فيها العقل يطالبه بالتفكير ، ويخاطب الروح بالموعظة ، ويخاطب الجوارح بالتدريب والمشاركة يطالبها بالالتزام ، فنجده وجه العقل للنظر فى خلق الله ليحدث الاعتبار ، ووجه الروح عن طريق المجاهدة ها بالتقوى يطالب، ودرب المسلم على الأعمال التعبدية العملية التى سيقوم بها وحده مثل تعليم الصلاة والوضوء .

وشعيرة الحج هى من أعظم الشعائر وأكبرها ، فنجد أن الإسلام سلك كل الطرق إلى الإنسان ليرسخ معانى الحج العظيمة فى نفسه ، فكان الحج وكأنه دورة تدريبية متقدمة للمسلم يعيش فيها نفس الوقائع التى حدثت فى نفس الأماكن والأزمنة المتشابهة ، ليقف على المراد من ذلك ، بل إنه يشارك ويقوم بنفس الأعمال التى تمت سلفاً ، ليعود المسلم من هذه الفريضة الغالية وقد ترسخت كل المعانى الجليلة فى نفسه بصورة لا ينساها ، لأنه فقط لم يسمع ولم يرى بل إنه أيضا شارك وعاش.

بداية وعند الإحرام نجد المسلم يرتدى لباسا أشبه بكفن الموت ليذكره ذلك بمصيره المحتوم وأنه يخرج من الدنيا لا يملك منها شيئا إلا العمل الصالح ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إنه يقف بهذا الملبس البسيط المتجرد من كل زينة موقفاً أشبه بيوم الحشر فيه التذلل لله والتطلع إلى مغفرته وكأنه ينتظر الحساب وبالتالي ينتظر النتيجة .

فإذا ما واجه المسلم الكعبة وطاف بها تحية للملك ، فانه يستلم الحجر الأسود ليكون له بمثابة العهد مع الله تعالى ، فالحجر يمين الله فى الأرض ،فيرجع وقد عاهد الله تعالى على الصلاح والاستقامة ، فلا ينسى عهده ولا ينسى من عاهد .

وبسعى المسلم بين الصفا والمروة سبعا ذهابا وإيابا، فإنه يعيش نفس الموقف الذى عاشته هاجر عليها السلام ، يتذكر بذلك معانى الأخذ بالأسباب والكد والتعب والحرص على الأبناء ، وأنه لا يأس مع الحياة ، فمن أدام قرع الباب فانه يفتح له ، ومن أدام السعى وصل إلى مبتغاه ونال مناله ، وإن الفشل مرة أو مرات لا يعنى استحالة الوصول الى هدف النجاة .

ولا يفوت المسلم أن يعيش أحداث تلك المعركة الكبرى التى عاشها الأنبياء مع عدو الإنسان ، ويقف موقف الجمرات فى ذلك المشهد الرمزى  الذى يرجم فيه الشيطان اللعين ليس مرة او مرتين بل مرات  ، ليرسخ فى ذهنه أن الشيطان عدو الإنسان فيتخذه عدواً ويحذر أن يكون من أوليائه فيكون من الخاسرين .

وقبل أن يودع تلك الأماكن المقدسة التى تروى قصة الإنسان وصراعه مع الشيطان ، فانه ينحر الهدى متذكرا ما فعله إبراهيم عليه السلام عندما ذبح الكبش فداء لإسماعيل ، ليرى كيف كان الاستعداد للتضحية بالنفيس من أجل إرضاء الله تعالى حتى بأغلى ما يملك الإنسان .

هكذا .. هذه بعض الأمثلة لا كلها ، تبين ان هذه الفريضة ليست فريضة عادية ، ليس فيها الكلام والوعظ والنظر فقط ، بل هى تدريب يلخص معانى الدين وقيم الإسلام بداية من التلبية بالتوحيد انتهاء بالفداء بالنفس إرضاء لرب العالمين .. إنها حقا دورة تدريبية متقدمة .. دورة لا تنسى  .. يعيش فيها الإنسان كل معانى الدين ويمارسها بذاته ، ويعود وقد ترسخت فى نفسه ليبدأ حياة جديدة صحيحة طاهرة .

شاهد أيضاً

النبي العظيم صلى الله عليه وسلم (1) بقلم / الإمام الشهيد حسن البنا

أي قلم يحيط وصفه ببعض نواحي تلك العظمة النبوية, وأية صحيفة تتسع لأقطار هذه العظمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *