فى خطبة الوداع … لا لتسييس الدين ، ولا للإفتاء إرضاء للحاكم..بقلم /أبو بكر نور الدين

وقبل أن نودع أيام الحج ومناسكه ودروسه ، نتوقف أمام هذه الكلمات الرائعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة إذ قال : أيُّها النَّاسُ: ” « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ » ، ويحرِّموا ما أحلَّ اللَّهُ، وإنَّ الزَّمانَ قدِ استدارَ كَهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّهُ السَّمواتِ والأرضَ، وَ إنَّ عدَّةَ الشُّهورِ عندَ اللَّهِ اثنا عشَرَ شَهراً منْها أربعةٌ حُرُمٌ ، ثلاثةٌ متواليةٌ، ورجبُ الَّذي بينَ جُمادى وشعبانُ.”

وسبب ذلك الكلام أنهم كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر ، فيحرمونها بدلها ، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك ، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا ، فكانوا يحلون المحرم ، فيستحلون القتال فيه؛ لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة (وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم) ، ثم يحرمون صفر مكانه ، فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه .

إن اتباع العلماء للهوى ، والسير في هوى الخلق في مخالفة حكم الشرع، سواء الحاكم وغيره، مدعاة للفتنة والضلال، وعلماء السوء من شر خلق الله وأفسدهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان”

فعندما يسير علماء الشريعة على هوى الحكام ومصالحهم ورغباتهم ، ويحرفون الأحكام الشرعية ، فإنهم بذلك يفسدون دنيا الناس ودينهم ، ويكونون بذلك قد خانوا الأمانة التى حملها لهم الله تعالى أن يقولوا الحق ويرشدوا الناس الى الصواب ، وينصحوا الحكام حتى لا يجوروا ، ويأخذوا على أيديهم إذا جاروا .

وهذا ما ابتلينا به هذه الأيام ، عندما خضع العلماء الذين هم ضمير الأمة ولسان الحق للحكام الفاسدين الفاسقين الظالمين ، فيزينون لهم ما يفعلون ويباركون ما يقومون به من ضلال وطغيان ؛ يفعلون ذلك رغياً ورهباً .

 

يقول تعالى : ” وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ،  مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “.

 

إن هؤلاء الحكام الطغاة منعوا الدين أن يتدخل فى السياسة ولكنهم سمحوا للسياسة ان ترتع فى الدين كما يشاءون ، ” .. فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ، فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ، وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” ، ” وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ”

ويؤيدهم فى ذلك علماء سوء باعوا دينهم بدنيا غيرهم ، وجعلوا الدين مطية الحكام للوصول لمآربهم الفاسدة ، بل جعلوا من الدين مخدرا لشعوبهم بأحكامهم الباطلة وكلامهم الضال ، وما وعوا قوله تعالى : ” وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” ، وما سمعوا لابن مسعود رضى الله عنه وهو يقول : “إن الرجل لَيدخلُ على السلطان ومعه دِينُه، فيخرج ولا دينَ له، قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنه يرضي السلطان بسَخَط الله”.

 

فرأينا من يفتى بجواز الخروج على الحاكم المسلم التالى لكتاب الله المنتخب من شعبه ، ثم هم بعد ذلك يؤيدون المنقلب ويمنعون من الخروج عليه رغم ظلمه ومعاداته لله ولرسوله وللمؤمنين ، فضلاً عن كذبه وفساده وتعاونه مع أعداء الأمة والدين .

ورأينا مفتياً يوقع على آلاف أحكام الإعدام وكأنه يوقع على قائمة مشتريات ، دون تحقق من العدل ودون مراعاة أنه بذلك يعدم وطناً ويضحى بخيرة أبناء الأمة .

ورأينا ممن يدعون العلم ينزلون السيسي منازل الصحابة والمرسلين ، وآخرين جعلوا أمرءهم وملوكهم من المعصومين ويوافقونهم على معاداة الأخوة وحصار المسلمين وقطع الأرحام ، فضلا عن محاربة دعاة الإسلام والمقاومين الذين يدافعون عن ارض فلسطين ضد شراذم الصهاينة الغاصبين ، هذا كله بالرغم من علمهم أن هؤلاء الحكام والأمراء يؤسسون لنظم علمانية لا دينية .

بالإضافة إلى غير ذلك فقد أباحوا الربا وهادوا الأعداء وسكتوا على مظاهر الانحراف فى الأخلاق والعقائد ، وسمحوا لأنفسهم أن يكون أدوات لإشغال الرأى العام بقضايا خلافية ونظرية واستفزازية ، بل شاركهم فى ذلك النفاق علماء أهل الكتاب لتحقيق ما تصبوا إليه أحلامهم المريضة فهذا التواضروس كبير القبط يقول : السيسي يعمل من أجل مصر ويستمد قوته من الله.

لذلك .. كانت كلمة النبى العظيم فى اليوم العظيم فى خطبته العظيمة يحذر فيها من التحليل والتحريم تبعاً للهوى والمصلحة واستجابة لرغبات الحكام ، إذ بكل ذلك تتعثر حركة الحياة ، وتفسد حياة الناس ، ويضطرب نظام الكون كله .

شاهد أيضاً

السيسي وترامب .. كوميك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *