د.طلعت فهمي : عودة “مرسي” للحكم أقرب طريق لاستقرار مصر(الحلقة الأولى)

قال المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان المسلمين، د.طلعت فهمي، إن عودة الرئيس محمد مرسي إلى الحكم مرة أخرى لمدة محددة كفيلة بتجنيب البلاد الكثير من المتاهات وإضاعة الوقت، وهي أقرب طريق للاستقرار بعد زوال الانقلاب، مشدّدا على أن “أي تسوية منطقية تكون بعودة المسار الديمقراطي واحترام إرادة الشعب”.

وأشار، في الحلقة الأولى من المقابلة الخاصة مع “عربي21″، إلى أن “صمود جماعة الإخوان وتضحيات رجالها أسس لوعي جديد خلاصته أن الحكم العسكري مدمر للدولة”، مضيفا:” لولا صمود الرئيس مرسي ومن معه من الرجال لما انكشف أمر الحكم العسكري، ولما ظهر مقاومون له حتى الآن”.

ونفى “فهمي” صحة التصريحات التي أكدها البعض بأن قادة الإخوان كانوا على علم بموعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، وأصروا على استمرار المتظاهرين في الميادين، قائلا إن “هذا الأمر غير صحيح؛ فقادة الإخوان نصحة أمناء لإخوانهم وشعبهم ووطنهم، وأحرص على مصالحهم ودمائهم، وهذا الادعاء الباطل يروج له العسكر وبطانتهم؛ لغسل أيديهم من هذه الدماء الزكية التي أريقت بغير حق”.
وفيما يلي نص الحلقة الأولى من المقابلة:

مؤخرا، انفردت “عربي21” بنشر مجموعة من المبادرات السياسية لحل الأزمة المصرية.. فكيف ترون هذه المبادرات؟

كل هذه المبادرات يؤخذ منها ويرد، بحسب قربها أو بعدها عن أهداف الشعب من ثورة يناير، وقد كان بيان “الإخوان المسلمون” في الذكرى الخامسة لرابعة الصمود بعنوان “تعالوا إلى كلمة سواء”، وكما أوضحنا في البيان، فإننا نرى ضرورة وجود مشروع وطني يحقق لحمة وتماسك المجتمع بكل أطيافه وتنوعاته، مع تفعيل عقد مجتمعي جديد، ونعتبر أن قوى ثورة يناير، ورافضي الانقلاب الوطنيين، ثروة قومية، وصمام أمان اجتماعي، ونعتقد أن الوطن يسع الجميع، ويحتاج في بنائه إلى الجميع، وأن التهميش والإقصاء سوأة نفسية وفكرية.
من هنا فإننا نقبل أي شيء إيجابي في المبادرات يتماشى مع بنود البيان، وفي النهاية إذا ما اتفقنا على الحوار فإنه يسع الجميع، لأننا نريد أن نصل إلى كلمة سواء لإنقاذ المجتمع والدولة.

ما الجديد الذي يقدمه ويطرحه بيان الإخوان الأخير؟ وهل ترون أن الجماعة تأخرت كثيرا في إصداره بعد مرور أكثر من 5 سنوات على الانقلاب كما يقول البعض؟

ما ورد في البيان قسم كبير منه سبق طرحه مبكرا في مبادرة التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب بتاريخ 16 نوفمبر 2013م.
تلك المبادرة تضمنت محاور رئيسية لإنهاء الأزمة تتلخص في دعم التحالف لثورة الشعب الرافضة للانقلاب، والمطالبة بعودة الشرعية الدستورية بمشاركة كافة الأطراف السياسية ودون احتكار طرف للعملية السياسية دون غيره.

كما شدد التحالف على تمسكه بالمعارضة السلمية سبيلا وحيدا لإنهاء الانقلاب العسكري، وعودة البلاد إلى المسار الديمقراطي، ورحب بأية جهود جادة ومخلصة تستهدف الوصول إلى حوار سياسي جاد يخرج بمصر من أزمتها ويحقق مصلحة البلاد شريطة اعتماد عودة الشرعية الدستورية والقصاص للشهداء أساسا للحوار.

هذا يعني أننا طرحنا قبل خمس سنوات مبادرة، صحيح أنها لم تصدر باسم الإخوان لكنهم جزء أصيل من هذا التحالف، وبالتأكيد شاركوا في طرح بنودها ووافقوا عليها في صورتها النهائية، فالجماعة لم تتأخر كما يردد البعض، بل أظهرت نفس المطالب تقريبا في كل بياناتها وفي كل مناسبة، لكنها لم تجد آذانا صاغية، لأن إدراك القوى السياسية لحقيقة الانقلاب ومخاطره على مصر لم يكن بالصورة التي هي عليها الآن.

من ثم فإن إطلاق المبادرات المستحدثة جاء نتيجة الفزع الذي أصاب الجميع من الانهيار المروع لكل مناحي الحياة في مصر وانسداد الأفق على كل الأصعدة.

وفضلا عن أن البيان يمثل استجابة لأصوات عديدة طالبت الإخوان بإعلان موقفهم من المبادرات الجارية، فإن هناك عدة نقاط أبرزها البيان وأكد عليها – من باب طمأنة الآخرين ورد الشبهات- ومنها أن الإخوان لا يرون أنفسهم بديلا عن الشعب، أو ممثلا وحيدا له، ولا يحتكرون الوطنية ولا العمل الوطني، وأنهم حريصون على الدولة ومؤسساتها، مع دعوتهم لمراجعة النفس باعتبارها “واجب كل جماعة وفصيل وطني”.

كيف تقيمون ردود فعل القوى السياسية التي أعقبت بيان الإخوان حتى الآن؟

معظمها ردود فعل إيجابية وتنبئ عن رغبة حقيقية في انتشال مصر مما هي فيه من استبداد وفساد وضياع.

لماذا يرى الكثيرون أن موقف الإخوان من قضية عودة الرئيس مرسي ملتبس وغير واضح؟ وما هي حقيقة موقف الإخوان من عودة الرئيس مرسي؟

أي تسوية منطقية تكون بعودة المسار الديمقراطي واحترام إرادة الشعب، والرئيس مرسي هو من انتخبه الشعب، والقضية لا تتعلق بشخصه بل بصفته، فلو أن شخصا آخر انتخبه الشعب كرئيس، ثم جرى عليه انقلاب عسكري كما حدث، لكان لنا نفس الموقف.

موقفنا واضح منذ اللحظة الأولى للانقلاب وهو أن الشعب المصري صاحب الحق الأصيل في اختيار حاكمه، وأنه طالما اختار فلا بد أن يتم احترام هذا الاختيار، لا أن تداس أصواته بعجلات الدبابة.

نحن دعونا في بياننا إلى حوار شامل وقلنا بوضوح: إن التمسك بعودة الرئيس مرسي ليس تمسكا بحق شخصي، أو مكسب حزبي، وإنما هو تمسك بحق الشعب واختياره الحر، وأفضل طريق للخروج من هذا النفق المظلم هو عودة الرئيس مرسي إلى سدة الحكم على رأس حكومة ائتلافية يتم التوافق عليها من القوى الوطنية لمدة محددة وكافية، يتم خلالها تهيئة البلاد لإجراء انتخابات حرة نزيهة تشرف عليها هيئة قضائية مستقلة، تتوافق عليها القوى الوطنية دون إقصاء لأحد، وهذا كلام لا لبس فيه.

ماذا يضير القوى السياسية والأحزاب من هذا الكلام، ولماذا إصرارهم على نزع الشرعية من يد الشعب والافتئات على اختياره؟ إن عودة الرئيس مرسي لمدة محددة كفيلة بتجنيب البلاد الكثير من المتاهات وإضاعة الوقت، وهي أقرب طريق للاستقرار بعد زوال الانقلاب.

هل الجماعة ستأخذ خطوات عملية لتفعيل البيان الذي أطلقته على أرض الواقع؟ أم أنها اكتفت بإصداره فقط؟ 

من غير المنطقي أن تصدر جماعة بحجم وثقل الإخوان المسلمين بيانا، في هذا الظرف العصيب الذي تمر به مصر، من أجل تسجيل موقف فقط أو لمجرد الإصدار.

نحن جادون في تحويل كل ما جاء في البيان إلى خطوات عملية ملموسة وسوف نسعى لذلك مع كل القوى الوطنية الرافضة للانقلاب، وبابنا مفتوح لتلقي أي مقترحات تسهم في بلورة صيغة للحوار نتوافق عليها جميعا.

دعوتم إلى حوار وطني مجتمعي شامل .. فكيف سيتم عقد هذا الحوار؟ ومتى قد ينعقد؟

لكل حادث حديث ولكل مقام مقال. لنتفق أولا مع قوى الثورة ورافضي الانقلاب على شكل الحوار وآلياته، ثم نحدد متى وأين ينعقد.

بيان الإخوان أكد أن المواطنة هي القاعدة الصلبة لبناء الدولة المدنية الحديثة.. فهل هذا بمثابة رسالة لطمأنة الأقباط على سبيل المثال من عودة الإخوان؟

بدون مبالغة، كان الإخوان- وما زالوا- أكبر فصيل وطني يحرص على أن يأخذ كل مواطن مصري حقوقه، بغض النظر عن ديانته وانتمائه، وليست بيننا وبين الأقباط أي إشكاليات حتى نسعى لطمأنتهم، فالتاريخ يشهد للإخوان بأنهم فتحوا جسورا مع الأقباط منذ عهد الإمام البنا، ولنذكر هنا أن ثلاثة من أعضاء اللجنة السياسية التي كوَّنها الإمام البنا كانت من كبار الأقباط، وهم الأساتذة وهيب بك دوس المحامي، والأستاذ لويس فانوس عضو مجلس النواب، والصحفي الكبير الأستاذ كريم ثابت، وليس ذلك فحسب، بل كان مندوبه في انتخابات عام 1945م في لجنة سانت كاترين هو الخواجة خريستو، وهي اللجنة الوحيدة التي سلمت من التزوير وفاز فيها الإمام البنا بنسبة 100%، ناهيك عن التعاون بين الإخوان وبين الأقباط في وأد كثير من الفتن الطائفية التي اندلعت، مثل  حادث الزاوية الحمراء الذي استطاع الأستاذ عمر التلمساني وأد فتنته، وغيرها من أوجه التعاون التي يشهد عليها التاريخ بين الإخوان والأقباط.

وهناك شخصيات قبطية وطنية كانت علاقاتها مع الإخوان كأوثق ما يكون، ولعلنا نذكر أن مكرم عبيد باشا كان أحد القلائل الذين ساروا في جنازة الإمام البنا رحمه الله، كما لا ننسى إسهامات المفكر الدكتور رفيق حبيب الذي دافع عن الإخوان في كل المواقف وتولى منصب نائب رئيس حزب الحرية والعدالة.

كما أن الأستاذ جورج اسحاق دخل برلمان الثورة من خلال القائمة التي تبناها الإخوان وتاريخ الإخوان في النقابات المهنية يشهد بذلك.

والمقصود من النص في البيان على أن “المواطنة هي القاعدة الصلبة لبناء الدولة المدنية الحديثة” هو أن جميع المصريين متساوون في الحقوق والواجبات وكلهم أمام القانون سواء، لا تفرقة بينهم على أساس ديني أو عرقي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي.

للمرة الأولى منذ الانقلاب تصف جماعة الإخوان المؤسسة العسكرية بـ “الوطنية”..ما دلالة هذا الأمر؟ وهل هذا يعني رفض الإخوان بشكل تام للدعوات التي يطلقها البعض بتسريح أو تفكيك المؤسسة العسكرية؟

في العموم ليست المرة الأولى، بل دأب الإخوان ورموزهم على وصف الجيش بأنه مؤسسة وطنية، وما أود التأكيد عليه هنا هو أن الإخوان يفرقون بين المؤسسة العسكرية وعموم المنتمين إليها من جهة، وبين القيادات التي تحاول تطويعها لأطماعها الشخصية من جهة أخرى، فلا شك أن في الجيش المصري- كما في كل مؤسسات الدولة- شرفاء، أو على الأقل أشخاص غير راضين عن الوضع الحالي، ولهم في ذلك دوافع وطنية.

ونحن حريصون كل الحرص على مؤسسات الدولة كافة، بما فيها الجيش، لأن هدم أي مؤسسة وخاصة القوات المسلحة يشكل مخاطر جمة على أمن البلاد واستقرارها، ولسنا نتصور أو نقبل هدم المؤسسة العسكرية أو تفكيكها، إنما نرى أن تعود لمهمتها الاحترافية التي أنشئت من أجلها وهي حماية حدود الدولة وتأمينها من أي عدوان خارجي، لا أن تتحول إلى أداة في يد قلة منحرفة تستخدمها في قهر الشعب وتحقيق مطامع ذاتية وغايات بعيدة عن الوطنية، بالاستحواذ على السلطة والثروة معا، ومصادرة حق الشعب في اختيار من يحكمه وأن يستفيد من ثروات بلاده.

هناك من يرى أنه من الأفضل للإخوان عدم طرح أي مبادرات سياسية باعتبارهم طرفا رئيسيا في الأزمة.. فكيف لطرف أصيل في الأزمة أن يطرح مبادرة؟

الانقلاب هو الأزمة وهو سبب البلاء والمصائب التي تمر بها البلاد والانقلاب كان على الشعب واختياره ليس على الإخوان.

طرحنا رؤيتنا للحل في بياننا، ولم نقدم مبادرة، ثم إن تقديم مبادرة (لو تم) لا يتعارض مع كون الإخوان طرفا في معادلة صراع سياسي قائم، سببه انقلاب عسكري ليس له حد أدنى من الشرعية، وهو سبب الاستقطاب الحاد الموجود الآن.

نحن نتعامل مع الأمور بمسؤولية وبحس وطني خالص والحلول عندنا واضحة جدا للأزمة الراهنة، سواء سميت رؤية أم مبادرة لا فرق، المهم أننا نسعى لحلحلة الأزمة لصالح الشعب ككل، وبجانب ذلك نحترم من يرى أن المبادرات لابد أن تأتي من خارج الإخوان، لا بأس ولا ضير في ذلك، بل فيه رفع للحرج عن الإخوان وفرصة للوصول إلى كلمة سواء.

هل بيان الإخوان موجه لمؤسسات الدولة التي تصفونها بالوطنية أم لا؟

نص البيان واضح جدا، وهو تأكيد الإخوان المسلمين “حرصهم المتين على الدولة ومؤسساتها التي هي ملك للشعب المصري وحده”، والمقصود بهذا ليس مغازلة أو مهادنة أطراف بعينها داخل هذه المؤسسات، وإنما تأكيد حرص الإخوان على استمرارها في أداء مهامها التي ينص عليها الدستور والقانون، دون وصاية من أشخاص أو تأثير من أصحاب نفوذ، لأنها ملك للشعب.

ما المقصود بالعقد المجتمعي الجديد الذي دعت الجماعة لتفعيله؟ وهل هو دعوة لفتح صفحة جديدة وطي صفحة الماضي؟

المقصود بالعقد المجتمعي الجديد هو رسم خطوط عامة لمستقبل البلاد تكون محل اتفاق بين الجميع، ويحصل الجميع على حقوقه بمقتضاها دون انتقاص، وينعم الجميع تحتها بالحرية والمساواة، وهي في الغالب تكون مبادئ إنسانية عامة، كالعدل والمساواة والحرية.

ولهذا عندما تحدثنا في البيان عن عقد اجتماعي اقترن ذلك بحق الشعب في اختيار برلمانه ورئيسه بحرية كاملة، وأن يكون مشروع الجماعة الوطنية مشروع وطني وحضاري وسياسي متكامل؛ يهدف إلى تحقيق لحمة وتماسك المجتمع بكل أطيافه وتنوعاته، وتحقيق الإجماع الوطني والتوافق السياسي.

والطبيعي أن الحديث عن عقد اجتماعي جديد هو حديث عن المستقبل الذي يأتي بعد طي صفحة الماضي.

بعد مرور 5 أعوام على انقلاب 3 يوليو، هل يمكن القول إن سلطة الانقلاب نجحت في تثبيت أركان حكمها أم لا؟

يعتمد الانقلابيون على المناورة ومحاولة كسب الوقت لاستمرار حكمهم، ويستخدمون في ذلك أدوات يتصورون أنها تثبت أركان هذا الحكم، في حين أنها تؤسس لتقويضه، منها على سبيل المثال: قمع الحريات واستخدام القوة المفرطة في مواجهة الشعب، وتسييس أحكام القضاء وتحويل المنظومة القضائية إلى أداة للتنكيل بالمعارضين، وتبديد ثروات البلاد في صفقات سلاح لا لزوم لها لشراء صمت الخارج، والتنازل عن مقدرات الوطن واقتطاع أجزاء من أرضه إرضاء للداعمين الإقليميين، والتوسع في مشروعات عالية التكاليف عديمة الجدوى للإيهام بوجود إنجازات.

والظاهر للناس أن العسكر نجحوا حتى الآن في إضعاف الجميع، الحلفاء والخصوم، وهذا لا يعني أن الحكم مستقر، أو أن هذا النظام غير قابل للإزاحة، فالسيسي دمر المقومات الاستراتيجية للدولة المصرية، وشعبيته تراجعت إلى حد كبير، وليس لديه مشروع، وهو مغتصب للسلطة وبلا شرعية؛ لذلك هو يراهن على البقاء أطول فترة ممكنة من خلال المناورة واستغلال الأحداث.

هذا الخداع لا يقيم دولة ولا يؤسس لحكم مستقر وإن طال الأمد، وحوادث التاريخ خير شاهد على ذلك.

ما الذي حققته الجماعة من معركة ما بعد الانقلاب؟

الجماعة بصمود رجالها وتضحياتهم أسست لوعي جديد خلاصته أن الحكم العسكري مدمر للدولة، ولا يمكن أن يحقق للشعب حدا أدنى من الحقوق الأساسية المتعارف عليها دوليا، بل تزداد معه وطأة التخلف والانهيار الاقتصادي وغياب العدالة وضياع الإنسان كليا، وهذا ما نراه بأعيننا الآن، ولولا صمود الرئيس مرسي ومن معه من الرجال لما انكشف أمر الحكم العسكري ولما ظهر مقاومون له حتى الآن.

هناك من يرى أن الغضب الموجود في صدور الناس ليس له قيمة أو تأثير طالما ما لم يتحول إلى فعل وحركة على أرض الواقع.. فعلى ماذا تراهنون؟

إذا كان المقصود بالفعل والحركة نشاط سلمي تراكمي فهذا نوافق عليه ونؤيده، أما إذا كان المقصود استخدام العنف فهذا مرفوض لأنه يؤدي إلى ضرر أكثر وتمكين أكبر للعسكر، لكن شرارة الثورة وبداية التغيير آتية لا ريب، بسبب الغضب المكتوم الذي يمثل أرضية قوية للثورة.

مبادئنا، والتئام صفوفنا، وثبات قادتنا، وعدالة قضيتنا، ووعي الشعب المتصاعد، ونحن نراهن أولا على إيماننا بالله، ومع ذلك نبذل جهودنا الإعلامية والحقوقية والقانونية والسياسية، ونحرك الشارع ولو بالحد الأدنى، وهذه هي الأسباب التي في أيدينا “وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم”.

البعض انتقد هجومكم على قانون السيسي لتحصين قادة الجيش من المحاكمات في الداخل والخارج، لأنكم أيدتم ذلك القانون عقب ثورة يناير وخلال حكم “مرسي”.. لماذا هذه الازدواجية في المواقف التي يراها البعض خاصة أن دستور 2012 أعطى وضعية خاصة ومميزة للمؤسسة العسكرية، وكان هذا باتفاق مع الإخوان حينها؟

هذا خلط واضح للأمور وقفز فوق الحقائق، فمع مراعاة أن الإخوان لم يضعوا دستور 2012 وحدهم، فإن ذلك الدستور كان ينص في المادة (147) على أن “يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين والعسكريين ويعزلهم، على النحو الذي ينظمه القانون”، كما ينص في المادة (194) على أن “القوات المسلحة ملك للشعب مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها”.

ونصت المادة (197) على أن “ينشأ مجلس للدفاع الوطني، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته، ويختص بالنظر في الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، ويجب أخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة…ولرئيس الجمهورية أن يدعو من يرى من المختصين والخبراء لحضور اجتماع المجلس دون أن يكون لهم صوت معدود”.

كل ما سبق ليس فيه أي تمييز لقادة الجيش، بل يقترب إلى أقصى حد من تقييد سلطة العسكر ويضع “مجلس الدفاع الوطني” فوق المؤسسة العسكرية ويؤطر بوضوح لدورها المهني، ولا يعطي قادتها امتيازات خاصة.

أما القانون الذي أقره برلمان “السيسي”- وهو بالمناسبة يناقض دستور الانقلاب 2014- فيحصن من شاركوا في انقلاب 3 يوليو 2013من المساءلة القضائية عن الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعب، ويعطيهم امتيازات استثنائية لا تخضع لأي قواعد قانونية، بل يطلق يد السيسي في تحديد الامتيازات التي يتمتع بها هؤلاء الضباط، إلى جانب احتفاظهم بأي مزايا تمنحها لهم قوانين أخرى، ما يعني أنهم يتمتعون بامتيازات عسكرية ومدنية، بغض النظر عن قيمتها وهويتها، ويعامل هؤلاء القادة المعاملة المقررة للوزراء، من حيث المزايا والحقوق، وإن لم يشغلوا هذا المنصب.. فهل يستقيم هذا مع ذاك؟

الذكرى الخامسة لفض اعتصامي رابعة والنهضة مرت قبل أيام.. ألا ترى الجماعة أنها أخطأت في استمرار الاعتصامات حتى النهاية؟ وكيف تقيمون إدارة الاعتصامات حينها ومنها خطاب منصتي رابعة والنهضة؟

إن المتابع والمدقق في أحوال هذه العصابة المجرمة التي اجتاحت الوطن واستباحت الدماء والأعراض وما كشفه تحقيق مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” بالقاهرة سابقا، ديفيد كيركباتريك، عن الانقلاب عن التواطؤ الأمريكي بل الحض على الانقلاب والدعم الخليجي والصهيوني يكشف بوضوح الرغبة الأكيدة في دحر التجربة الديمقراطية الوليدة لصالح الكيان الصهيوني ودعما للهيمنة الأمريكية وحفاظا على عروش الخليج أن تهب عليها رياح التغيير.

وهل كانت مجازر المنصورة والإسكندرية ودمياط ورمسيس نتاجا لاعتصامات؟ وهل نجا من القتل من كان خارج الاعتصامات؟

إن الاعتصامات السلمية أبرزت قضية حق المصريين في الحرية والحياة، وأن بمصر رجالا يرحبون بالموت في سبيل حريتهم وكرامتهم.

من المهم أن ننوه إلى أن تجربتنا تجربة بشرية تخضع للتقييم والمراجعة، تقبل الصواب والخطأ، وكل إنسان حين يعود به الزمن لا شك سيتخذ خطوات مختلفة مناسبة للوقت.

لكن ليس من الإنصاف أن يعتبر أحد أن الاعتصامات في حد ذاتها كانت خطأ.. إنها وسيلة حضارية سلمية للاحتجاج، وما قيل على منصات الاعتصام، أيا كان مضمونه، هو حق مشروع لأنه تعبير عن الرأي. واللوم هنا ينبغي أن يقع على من غدر وخان ومن قتل الناس بلا ذنب ولا جريرة.

هل قادة الإخوان كانوا بالفعل على علم بموعد فض الاعتصامات وأصروا على استمرار المتظاهرين في الميادين، كما أكد البعض؟

غير صحيح؛ فقادة الإخوان نصحة أمناء لإخوانهم وشعبهم ووطنهم وأحرص على مصالحهم ودمائهم، وهذا الادعاء الباطل يروج له العسكر وبطانتهم لغسل أيديهم من هذه الدماء الزكية التي أريقت بغير حق.

وبفرض أن هذا صحيح- وهو ما لم يثبت يقينا- فهل يسوغ للعسكر أن يرتكبوا مجازر على النحو الذي جرى؟ وهل لو ترك الإخوان الاعتصامات وأنهوها قبل الفض، هل كان الناس سيسلمون من بطش العسكر؟ القضية أكبر وأعمق من تحميل الإخوان مسئولية ما جرى. هم في النهاية ضحية غدر وخيانة العسكر.

لماذا لم يستفد الإخوان من تجربة 1954 مع العسكر في مرحلة ما بعد ثورة يناير، خاصة أن الكثيرين يرون أن التاريخ يكاد يعيد نفسه بالكامل، فضلا عن أن هناك قيادات إخوانية عاصرت تجربة 54 ولا تزال فاعلة داخل التنظيم حتى الآن؟

حرص الأستاذ حسن الهضيبي مرشد الثاني للإخوان على عدم الدخول في صراع مسلح مع العسكر حفاظا على الوطن وقدم مصلحة مصر ودفع الإخوان ثمنا باهظا من حريتهم وحياة أفرادهم وأسرهم وممتلكاتهم وبقيت مصر وبقي جيشها وتعاظم وعي شعبها حتى أثمر ثورة يناير.

الإخوان تجنبوا الصدام مع العسكر وغيرهم عقب ثورة يناير حفاظا على حقوق الشعب وحقنا للدماء، ولأنه من الناحية الفقهية لا يجوز أن يؤخذ الكل بجريرة البعض. ولم يكن في نية الإخوان الانتقام ممن ظلموهم في السابق، بقدر ما كان لديهم حرص على تحقيق عدالة ناجزة تقتص ممن ارتكب جرما بحق الشعب أو أكل حقوقه.

دروس التاريخ كانت حاضرة نعم، ولك أن تتصور حال مصر لو حدث الصراع المسلح وتعسكرت الثورة. لم يكن الإخوان سذجا كما يحاول البعض تصويرهم، ولكن طريق تحرير إرادة الأوطان طريق طويل وذو تضحيات وستكون عاقبته النصر والتمكين إن شاء الله.

لماذا كل هذا العداء والتوتر في العلاقة بين الإخوان والعسكر؟ وما هو مستقبل تلك العلاقة برأيكم؟

مشروعان متعارضان، الأول يؤمن بالحرية والعدل والمساواة، والآخر يعمل بمنطق استعلائي إقصائي استحواذي، وتوصيف المسألة على أنها ثنائية قطبية خطأ كبير، فما يؤمن به الإخوان يؤمن به غيرهم من المكونات الوطنية، أما العسكر فأقحموا أنفسهم فيما ليس لهم وتركوا مهمتهم في حماية حدود الدولة إلى معترك سيقود إلى انهيار الدولة، والأصل أن يعودوا لثكناتهم، وحينها لن يكون لهم وجود في أي معادلة سياسية، ولن يكون هناك سبب موضوعي أصلا للحديث عن ثنائية (الإخوان- العسكر).
والمشهد السياسي في مصر بعد خمسة أعوام من الانقلاب، أظهر أن الخلاف ليس بين العسكر والإخوان، إنما بين سلطة الانقلاب والشعب المصري.

لماذا لم نجد رواية واحدة تعبر عن الإخوان بشأن أبعاد ما جرى خلال الأيام الأخيرة للرئيس مرسي؟ وكيف جرت المفاوضات حينها؟ وهل كان الرئيس مرسي في ذلك الوقت لا يطلع قادة الإخوان أو غيرهم على أبعاد ما يجري؟

الوحيد الذي لديه الإجابة على هذا السؤال هو الرئيس مرسي نفسه، فك الله أسره وإخوانه جميعا، أما ما يُقال من هنا أو هناك فهي روايات يتحمل مسؤوليتها أصحابها، ولا شك أن كلا منهم يتحدث بما رأى، وبالطبع لم تكن الصورة لديه مكتملة.

متى أدرك الإخوان أن مصر مقبلة على انقلاب عسكري؟ وهل السيسي استطاع خداع الجميع حتى اللحظة الأخيرة؟

سلوك العسكر في ثورة يناير وما بعدها كان يكشف عن رغبتهم الدائمة في توجيه دفة السياسة لصالحهم، وهذا ما أدركه الإخوان مبكرا، فحاولوا بكل السبل تحييد العسكر وتجنبوا الصدام معهم لصالح استقرار الدولة، وإعطاء فرصة للقوى السياسية أن تقوم بدورها، وهو ما لم يحدث للأسف، بل إن هذه القوى تحالفت لاحقا مع العسكر لإجهاض أول تجربة ديمقراطية، وهذا ما يأخذه البعض علينا بأننا أعطينا الثقة لمن لا يستحقها، سواء من العسكر أو غيرهم.

لماذا لم يقدم الرئيس مرسي على إقالة السيسي بعد إنذاره الخاص بالمهلة 48 ساعة؟ هل كانت الأمور قد خرجت تماما عن سيطرته؟ ولماذا لم تصارحوا الشعب بذلك إذا كنتم تعلمون؟

رغم أن إجابة هذه الأسئلة عند الرئيس مرسي نفسه، فإن ظاهر الأمر أن المؤامرة كانت مكتملة الأركان، وحتى -جدلا- إذا كان الرئيس مرسي أقال السيسي، فهل كان هذا القرار قابلا للتنفيذ في وجود نية للانقلاب واتفاق عليه بين أقطاب الدولة العميقة؟

شاهد أيضاً

رساله أم سمية ماهر لإعوان الظالمين

اللهم احرق قلب كل من ايد الطاغيه بحق هذه البريئه المظلومه رساله الي كل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *