شهادة العادلي في «اقتحام السجون»… تشويه الإخوان مقابل البراءة

على مدار جلستين الأولى في 10 أكتوبر2018 والثانية في 28 من نفس الشهر، استمعت الدائرة 11 إرهاب التابعة لمحكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار محمد شرين فهمى، لأقوال اللواء حبيب العادلى وزير الداخلية الأسبق في عهد الطاغية حسني مبارك، فى ما تسمى بقضية ـ”اقتحام الحدود الشرقية”، والمعروفة سابقا باقتحام السجون، والتي يحاكم فيها الرئيس محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر و27 آخرين من قيادات الجماعة.
شهادة العادلي جاءت متسقة في أهدافها مع الرواية الأمنية التي تم الترويج لها في الإعلام الموالي لنظام مبارك منذ نجاح الجولة الأولى للثورة، حيث أريد بها تشويه 25 يناير في المقام الأول باعتبارها مؤامرة دبرت في عواصم خارجية ولم تكن نتاج الفساد والظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، كما استهدفت شهادة العادلي تبرئة نظام الطاغية حسني مبارك وأركان أجهزته الأمنية القمعية من دماء شهداء الثورة؛ فتحولوا في ظل انقلاب العسكر بعد 30 يونيو من جناة وقتلة للثوار والشباب إلى شهود على الثورة والثوار؛ في مشهد عبثي يعكس اتساع رقعة الظلم لمستويات قياسية وغير مسبوقة في ظل حكم جنرال العسكر عبدالفتاح السيسي وهيمنته على منظومة القضاء الفاسدة المسيسة، كما أريد بها أيضا أن تمضي في سياق الافتراءات بحق قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين يحاكمون في هذه القضية بتهم تتعلق بالهروب من السجون أثناء الثورة مدعومين بعناصر مسلحة من خارج البلاد تنتمي لحركتي حماس وحزب الله وبدعم أمريكي إيراني! بحسب مزاعم وادعاءات العادلي، رغم أن العادلي نفسه في شهادته يؤكد أن قرار اعتقالهم كان شفهيا ولا مستندات أو وثائق عليه؛ ما يعني أن عملية الاعتقال التي تمت بحق قيادات الإخوان يوم 27 يناير 2011م، كانت في حد ذاتها انحرافا بالسلطة تستوجب محاكمة العادلي ونظام مبارك.
وتضمنت شهادة العادلي سيناريو أقرب إلى أفلام الأكشن الأمريكية، واشتلمت على “4” محاور أساسية :
المحور الأول يتعلق بالتنسيق قبل الثورة، حيث ادعى:
1) جماعة “الإخوان المسلمين” تحارب من أجل قلب نظام الحكم في مصر للوصول إلى حكم الدولة، ومتابعة أحداث ثورة 25 يناير كشفت عن تخطيط منسق منذ سنوات في هذا الإطار، بدأ تنفيذه منذ عام 2004، وأنه خلال تلك السنوات لم يكن هناك أي تخريب أو قتل.
2) تمّ رصْد مكالمة تلفونية بين الرئيس محمد مرسي، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق أحمد عبد العاطي في تركيا، و عرضت عليه معلومات بعقد اجتماع بين الإخوانى حازم فاروق وخالد مشعل فى 2009 ببيروت بحضور د.سعد الكتاتنى ود.محمد البلتاجى وآخرين من قيادات الجماعة، وقيام مشعل بالتنسيق بين الإخوان والحرس الثورى الإيرانى لمساندة الجماعة فى مؤامرتهم.
3) الإخوان سهلوا دخول عناصر الحرس الثورى الإيرانى إلى داخل البلاد بجوازات سفر مزورة للمشاركة فى أحداث يناير.
4) كان ينسق مع جماعة “الإخوان” في 2009 و2010، وكل ما تم وقتها كان مرصوداً من قبل الأجهزة الأمنية، وأن جهاز أمن الدولة كان متابعاً لكل تحركات جماعة “الإخوان”، وأن اجتماعات مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين قبل الثورة كانت مرصودة ويسجل ما يدور داخل الاجتماع بتسجيلات صوتية تقدم للجهاز، وأن الذي يقوم بالتسجيل شخصية من جماعة الإخوان المتعاملة مع جهاز أمن الدولة.
5) أجهزة الأمن سألت قيادات جماعة الإخوان عن مشاركة الجماعة فى أحداث 28 يناير، ونفوا رغم رصد مكالمات تؤكد مشاركتهم فيها.
6) أصدر العادلي قرارا شفويا بالقبض على 32 قيادة إخوانية قبل 28 يناير.
7) أضاف العادلى فى شهادته ،« قمنا بعرض المعلومات على الرئيس الأسبق حسنى مبارك بأن هناك تحركات وصلت لمرحلة متقدمة لخطة أمريكا، واتصالات بين الإخوان وعناصر أجنبية ودورهم فى محاولة إسقاط الأمن الداخلى والخارجي، وبناء على هذه المعلومات تم عقد اجتماع طارئ فى القرية الذكية ضم أمن الدولة وجهازى المخابرات العامة والحربية، وأن هذه الأجهزة الأمنية الثلاثة كانت تنسق المعلومات فيما بينها لحماية الأمن القومى للبلاد».

المحور الثاني، يتعلق بأحداث “جمعة الغضب” حيث زعم وزير مبارك:
1) مع رصد تحركات الجماعة والتأكد من مشاركتها في جمعة الغضب أصدر العادلي قرار اعتقال شفوي لـ32 من قيادات الجماعة وذلك بالتنسيق مع مبارك والحكومة وهو ما تم الخميس 27 يناير.
2) ادعى أن التحركات يوم جمعة الغضب كانت مسلحة، وأن المعلومات جاءت بأن التحركات كانت في يوم آخر ولم تكن يوم الجمعة. وعقّب بالقول: “لا أنا ولا رئيس الجمهورية وقتها كان هيخلّي ده يحصل لو كانت عندنا معلومات”، وأن كل ما حدث خيانة “معلوماتية” لإسقاط نظام الحكم.
3) وأكمل العادلي بأن جهاز الداخلية هو جهاز معلوماتي بالتنسيق مع الأجهزة الأخرى في الداخل والخارج، حيث إن ما حدث في “جمعة الغضب” ما هو إلا “مؤامرة” وُضعت من قبل الولايات المتحدة في عام 2004، ونفذت في 2011.
4) العناصر المتسللة إلى داخل البلاد تسمى الخلايا النائمة، حيث تم استغلال هذه العناصر فى أحداث يناير، حيث تسلل الإخوان وعناصر حماس عبر الحدود بعربات عليها أسلحة، وقامت تلك العناصر بالهجوم على مكتب أمن الدولة بسيناء ثم على الأقسام والمرافق العامة بالعريش، وزعم «العادلي» أن هناك «مجازر» كانت ترتكب فى العريش لإلهاء قوات حرس الحدود وتسهيل عمليات التسلل.

المحور الثالث يتعلق باقتحام السجون، حيث :
1) زعم أن “المعلومات التي رصدناها وتوصلنا إليها، كشفت عن وجود اتفاق بين الإخوان المسلمين وحماس حول اقتحام الحدود وإسقاط النظام”، وأن “كل هذه المعلومات كنا نبلغ بها الرئيس المخلوع حسني مبارك، والأجهزة التي كنا ننسق معها هي أمن الدولة والاستخبارات العامة والحربية، لأنها هي الأجهزة المعنية بتأمين مصر، والتي تتابع أنشطة، سواء إيجابية أو سلبية، والمهم أن نصل إلى ما يؤمّن البلاد”.
2) الجماعة ” اشتركت مع عناصر أجنبية لاقتحام السجون، وأنه وضع خطة أمنية خلال ذلك الوقت للحفاظ على المتظاهرين، ومنع وقتها حمل السلاح، لأن المسيرات في البداية كانت سلمية، وكل ما حدث كان من خلال توجيهاته، قائلاً: “أنا اللي كنت مسؤول عن تأمين مصر”.
3) خرج نظام جماعة الإخوان المسلمين بالكامل، رغم أنه على يقين أنه ارتكب جريمة هروب، لكن القرار لم يكن بأيديهم، لكن كان قرار التنظيم قراراً له سمع وطاعة، وعقّب قائلاً: “في ناس تانية في السجون لم يهربوا، لكن الهروب كان للإخوان”.
4) ادعى أن جماعة الإخوان المسلمين نسقت لاقتحام السجون مع حماس وحزب الله والحرس الثوري باستخدام 30 سيارة دفع رباعى تقل مسلحين، وان عملية اقتحام السجون كانت منسقة فتم إحداث فوضى داخل السجن قبل موعد الهروب، لإلهاء قوات تأمين السجون، وفى هذا التوقيت هجم المسلحون واللوادر على السجون، ونتج عن ذلك القتل والتدمير والحرائق. وقال: “قرروا الهجوم على السجون بأسلحة ثقيلة ولوادر لاقتحامها”.
5) ذكر أنه كانت هناك مفاجأة بتحركات عربات تحمل أسلحة ثقيلة لاقتحام السجون، وأن التنسيق مع “حماس” و”الإخوان المسلمين” كان أمراً سهلاً، لكن كانت المفاجأة بعدما تم التنسيق مع البدو في 2009، وعقّب قائلاً “ماكنش معمول حسابه”.
6) زعم أنه تم رصد معلومات أخرى لخالد مشعل، حيث التقى في سورية بالحرس الثوري الإيراني، ونسّق ما بين الجانبين على أساس أنهما يدعمان الإخوان في مصر، وأن الحرس الثوري الإيراني يقوم بتدريب العناصر الأجنبية التي ستساند الإخوان، وسلّم خالد مشعل بعض جوازات السفر المزورة للحرس الثوري الإيراني، حتى تتمكّن العناصر الأجنبية من دخول مصر”.
7) لم تكن جماعة الإخوان المسلمين من شاركوا في التخريب وقت الثورة فقط، لكن هناك عدد من التنظيمات الفلسطينية تدعي الإسلام شاركت أيضاً”، مضيفاً أن “الاتفاق كان على أن الإخوان هما اللي يقشّوا”.

المحور الرابع يتعلق بتبرئة مبارك ونظامه، حيث ادعى:
1) مبارك، بعدما علم بهذه المخططات، وأن هناك اتصالات قائمة بين الإخوان المسلمين وعناصر خارجية والمخطط الأميركي لإسقاط النظام، أعطى أوامر بتأمين المسيرات والتظاهرات، ولو كانت قد وصلت معلومات أنها مسلحة، لكان سوف يكون هناك إجراء آخر لولا الخيانة المعلوماتية.
2) تمّ الاتفاق على قطع الاتصالات التليفونية بناء على اجتماع عُقد بالقرية الذكية يوم 27 يناير/ كانون الثاني 2011، برئاسة رئيس مجلس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، ووزير الدفاع الأسبق محمد حسين طنطاوي، ورئيس المخابرات العامة الأسبق عمر سليمان، ووزير الإعلام أنس الفقي، ووزير الاتصالات وبعض المسؤولين بالاتصالات. وكان الهدف منه هو منع الإخوان من الاتصال بعناصرهم التى تحضر بالأسلحة، وللتمكن من إفشال المؤامرة التى تتعرض لها البلاد.

أسئلة وألغاز تعصف بالرواية الأمنية
هذه الرواية الأمنية، تتسق تماما مع توجهات نظامي مبارك والسيسي حيث اعتبر جنرال الانقلاب من قبل أن ثورة يناير كانت علاجا خطأ لتشخيص خطأ، لكنها ترسم سيناريو رديء لا يقنع أحدا، لكن شهادة العادلي تتسق مع حكم جنايات القاهرة السابق في ذات القضية بأن مصر تم احتلالها من جانب قوات أجنبية مسلحة وأسقطت نظام الحكم وسلمته لجماعة الإخوان المسلمين!
ففي حكمها الصادر 16/6/2015 قضت محكمة جنايات القاهرة (بإجماع آراء القضاة وبعد موافقة مفتي الديار المصرية) وجاء في نص مسودة الحكم ما يلي: “إن المتهمين وآخرين يزيد عددهم عن 800 شخص ينتمون لحركة حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني في أواخر يناير 2011 وأوائل فبراير/شباط وفي محافظات شمال سيناء والقاهرة والقليوبية والبحيرة ارتكبوا أفعالاً تمس استقلال الدولة وسلامة أراضيها؛ إذ دخلوا إلى البلاد من حدودها الشرقية مستقلين عربات دفع رباعي مدججة بالأسلحة الثقيلة (آر بي جي وجرينوف)، وتمكنوا من السيطرة على الشريط الحدودي ودمروا المنشآت الحكومية والأمنية في رفح والعريش، ثم واصلوا زحفهم إلى القاهرة والقليوبية والبحيرة فاقتحموا (160) قسم شرطة كما اقتحموا سجون أبو زعبل والمرج ووادي النطرون، فحطموا أسوارها وخربوا مبانيها ونهبوا ما فيها من مخازن وأسلحة وأثاث وسيارات ومعدات، ومكّنوا أكثر من 20.000 سجين من الهرب، ونشروا الفوضى في البلاد، وعمدوا لضرب وشل جهاز الشرطة المصرية لإسقاط الدولة ومؤسساتها بأن قام قسم من المتهمين بالدخول على مواقع التواصل الاجتماعي وتحريض الجماهير على اقتحام أقسام الشرطة وحرقها، وخلق حالة من الفوضى سمحت للعناصر المسلحة بالدخول للبلاد، وإتمام حلقات المشروع الإجرامي بنجاح، وقام قسم آخر بتوفير احتياجات العناصر المسلحة الأجنبية من سيارات وأسلحة وذخيرة وتدبير وسائل الإعاشة لهم، والدخول والخروج من البلاد بعد قيامهم بالدور المطلوب. وأن هذا تم بناء على اتفاق جرى سراً بسوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 بين ممثلين لحركة حماس والحرس الثوري الإيراني وقيادات الإخوان المسلمين”!.
ثمة اختلافات واضحة بين الروايتين لكنها تتفق في الهدف منها وهو تشويه الثورة والزعم أنها مؤامرة دبرت من الخارج.
ورد الدكتور محمد البلتاجي على هذه الرواية الهابطة بطرح عدد من الأسئلة التي تنسف الرواية من جذورها وتعصف بكل ما استندت إليه ما تسمى بالمحكمة، حيث يتساءل البلتاجي:
1) كيف دخل هذا العدد الكبير من المسلحين الأجانب أكثر من 800 بعرباتهم وأسلحتهم الثقيلة إلى عمق أكثر من 300 كم من الحدود الشرقية ثم عادوا مرة ثانية بعد ارتكابهم كل هذه الجرائم المسلحة وخرجوا دون أن يراهم أحد أو دون أن تصورهم قنوات الإعلام ودون أن يتعرض واحد منهم للقتل أو الإصابة أو القبض عليه أو إحراز مخلفات سلاح أو سيارة أو غيرها من آثارهم؟! هل القوات المسلحة وقيادتها لم تكن على علم بدخول هذه القوات الأجنبية حتى خروجها أم أنها علمت وعجزت عن مواجهتها وصدها أم أنها تواطأت مع المسلحين الأجانب ضد سلامة أراضي ومنشآت الدولة؟!
2) كيف مرت 200 سيارة عليها أكثر من 800 أجنبي مسلح مدججين بالأسلحة فوق كوبري السلام وقناة السويس دون أن يتعرض لهم الطيران المصري بالقصف أو قوات الجيش الثاني الميداني بالاشتباك المتبادل؟!
3) كيف لم يتم توثيق فضائي أو عسكري أو سياسي أو حتى تحقيق صحفي في هذه الوقائع الخطيرة منذ 28 يناير 2011 حتى 3/1/2013، ثم ظهرت هذه الاتهامات فجأة بعد الانقلاب العسكري؟ّ!
4) هل قامت الخارجية المصرية بإبلاغ المؤسسات الدولية بوقوع هذا العدوان – من منظمات رسمية تنتمي لدول شقيقة قريبة (وتشارك في السلطة فيها – حزب الله، الحرس الثوري، حماس)؟ وهل طالبت الخارجية المصرية بتسليم متهمين في تلك الأحداث؟!
5) هل اعتبرت القيادة السياسية والعسكرية هذا الذي جرى في البلاد على يد تلك القوات الأجنبية المسلحة (من تدمير وحرق وإتلاف وتخريب وقتل وسيطرة) احتلالاً أجنبياً وعدواناً يحتم الرد عليه أم اعتبرته مجرد رحلة سياحية في أراضي الدولة على السلطات المصرية حمايتها وتأمينها وتيسير مهمتها؟!
6) لماذا إذاً اعتبرت القيادة السياسية ما جرى في البلاد في 25 يناير ثورة تحتفل بها رسمياً بينما تلك الأحداث (المزعومة) تقطع بنكبة تستوجب تنكيس الأعلام بمناسبتها.
7) شهدت المحاكمات ولا تزال حماية من جانب المحكمة لشهود الزور وكلهم ضباط في الداخلية حيث يتهربون من الإجابة على مثل تلك الأسئلة وهيئة المحكمة تؤكد حقهم في رفض الإجابات متى شاءوا، بل كثيراً ما كانت هيئة المحكمة تبادرهم برفض توجيه السؤال لأسباب رأتها،
8) رفضت المحكمة كذلك الاستجابة لطلبات دفاع المتهمين باستدعاء أي من القيادات السياسية والعسكرية للبلاد لسؤالهم عن تلك الأحداث الجسيمة ومدى علمهم بها ومقدرتهم على مواجهتها (مبارك، طنطاوي، عنان، السيسي). الوحيد الذي استجابت المحكمة لطلب حضوره كان قائد الجيش الثاني الميداني اللواء محمد فريد حجازي، والذي وجَّه إليه المتهمون سؤالاً محدداً (هل نما إلى علمك بأي طريق دخول قوات أجنبية مسلحة البلاد في 28/1/2011 وارتكابها داخل البلد وفي أعماق أرضها ما من شأنه المساس بسيادة الدولة وسلامة أراضيها؟!) فأجاب باقتضاب وصرامة: لم أعلم ولم أبلَّغ بذلك، لكن المحكمة لم تلتفت لشهادة المسؤول الميداني العسكري الأول في ميدان الأحداث المزعومة، وأكدت اطمئنانها التام للتحريات المكتبية للأمن الوطني والمخابرات العامة!.
9) حينما عرضت هذه الأحكام على محكمة النقض، قررت في 15/11/2015 نقض الحكم الذي وصفته بالمعيب لما شابه من قصور في التثبت وفساد في الاستدلال. وأكدت محكمة النقض أن تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة لا تصلح أن تكون دليلاً كافياً بذاته ولا تعتبر قرينة مستقلة على ثبوت الاتهامات، ومن ثَم قضت المحكمة بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى. لكن نفس المسرحية الهابطة يعيشها المعتقلون مرة أخرى .أمام دائرة أخرى، التي تحاكم البعض منا للمرة الرابعة، قاضٍ مخصوص لمتهمين مخصوصين، وهو القاضي الذي قضى باستمرار حبس الأستاذ مهدي عاكف – مريض السرطان ذي التسعين عاماً – حبساً احتياطياً مستمراً بالمخالفة لكل الأعراف الإنسانية والقانونية والحقوقية حتى مات موتاً غير رحيم، هو أقرب للقتل العمد. كما تجري فصول المسرحية الجديدة وسط صمت إعلامي إذ كثيراً ما يستدعي الأمن الإعلاميين الحاضرين بعض الجلسات الهامة عياناً؛ ليعطي التعليمات حول ما يُنشر وما لا يُنشر.
10) يرفض القاضي بإصرار شديد استدعاء أي من القيادات السياسية والعسكرية -المسؤولة حصرياً عن قرار التصدي لأي عدوان أجنبي على البلاد- لسؤالهم عن حقيقة أو كذب هذا الادعاء الفاضح، بل يرفض القاضي أي سؤال يوجهه الدفاع يتعلق بدور القوات المسلحة وواجبها في مواجهة تلك الاعتداءات الأخيرة المزعومة.
11) تجري فصول المسرحية هذه المرة بعد أن جرى تعديل قانون محكمة النقض وتم تشكيل عشرات من الدوائر الجديدة من خارج محكمة النقض، وستكون الأحكام هذه المرة نهائية باتة لا طعون عليها ولا استئناف.

وشهادة تنسف فبركة الشهود
من الأدلة كذلك على فبركة رواية العادلي والمحكمة وهي الرواية الأمنية الهابطة، شهادة الصحفي مهند صبري المتخصص في الشأن السيناوي، حيث علَّق على شهادة العميد المتقاعد خالد عكاشة(الشاهد الرئيس في القضية) وكان رئيس قطاع الحماية المدنية في مديرية أمن شمال سيناء. حيث تناول نفس الرواية الهابطة في شهادته الزور. مقدرا عدد سيارات الدفع الرباعي بأنها لا تقل عن 15 سيارة تقلّ في كل منها ما بين 5 و6 أفراد مدججين بالسلاح، ولديهم تجهيزات كبيرة؛ لإقامة إمارة إسلامية في رفح والشيخ زويد!
ويبدى مهند صبري اندهاشه وانزعاجه من شهادة عكاشة بالتأكيد على أنه أجرى حوارا صحافيا مسجلا معه في نهاية عام 2012، للحديث حول ما حدث إبان ثورة يناير، باعتبار أن عكاشة كان رئيس قطاع الحماية المدنية في مديرية أمن شمال سيناء. وطبقاً لما قاله عكاشة، فإنه قضى أيام الثورة في مقر عمله في العريش رئيساً لقطاع الحماية المدنية التي من بين أفرعها قوات المطافئ والمتفجرات وخلافه. وأشار كلام عكاشة بشكل مباشر، لا مجال فيه لشك أو تأويل إلى أنه أمضى هذه الفترة متابعاً لما حدث من مكتبه ولم يشارك في أي عمليات ميدانية، حتى حينما أعطى الأمر لقوات المطافئ التابعة له في العريش بأن تتوجه إلى “مسجد الرفاعي” برفقة قوات الأمن المركزي، حيث كان من المفترض أن تخرج التظاهرات في “جمعة الغضب”، قبل أن تحدث أي تطورات عنيفة في الشيخ زويد أو رفح، وفق صبري.
وقال عكاشة في الحوار الصحافي المسجل: “جمعة الغضب… إحنا قعدنا اتفرجنا على جمعة الغضب في مدينة العريش قدامنا الأكل واللب والسجاير، والناس قاعدة بتتفرج على الثورة في قناة الجزيرة… جمعة الغضب من أوله لغاية آخره، شمال سينا تعيش يوم جمعة الغضب متفرجين”.
وتساءل صبري: “كيف تسنّى للعميد خالد عكاشة أن يعرف هذه التفاصيل ومن بينها عدد السيارات التي اقتحمت الحدود وعدد من كانوا فيها، بينما كان في مكتبه في العريش يتابع أحداث الثورة عبر التلفزيون طبقاً لما قاله نصاً خلال مقابلتي الصحافية معه؟”.
وأضاف: “إذا عرف العميد خالد عكاشة هذه التفاصيل عبر مصادر أخرى، سواء كانوا مرؤوسيه في الحماية المدنية أو قطاعات أخرى في الداخلية، لماذا لم تستدع المحكمة هؤلاء ممن شهدوا الأمور بأنفسهم بدلاً من نقل معلومات غاية في الخطورة عبر وسيط؟ ألا تعد شهادة العميد خالد عكاشة اتهاماً مباشراً وتفصيلياً للقوات المسلحة المصرية وأفرعها وجهازي المخابرات العسكرية والمخابرات العامة بالتقصير والفشل في حماية الوطن وسيادته وحدوده”.
وأوضح صبري أيضاً أنه “جمع شهادات من شمال سيناء، ومن مساجين (المرج، ووادي النطرون)، وأنه اتفقت على أن بدو سيناء الذين اتُهموا بالوقوف خلف تسهيل عبور المسلحين ومشاركتهم في اقتحام السجون، لا شأن لهم أو علاقة أو دور بهذا الأمر، وأن موضوع اختراق عشرات العربات المحملة بالمسلحين للحدود الدولية وبدء حرب مسلحة في مدن رفح والشيخ زويد هو ليس فقط أمرٌ يستحيل تصديقه ولكنه يدعو للسخرية. فكيف لحربٍ كالتي وصفها العميد خالد عكاشة أن تدور في مدن لم تنم ولم تهدأ إبان الثورة بلا شهود عيان بالمئات من السكان المحليين الملاصقين لساحة المعركة المزعومة… فضلاً عن ظهور فيديوهات وصور وشهادات على قنوات التلفزيون والمواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي؟!”.
وبحسب صبري، أجمعت غالبية الشهادات من شمال سيناء على مشاركة عناصر من بدو وادي النيل المحيطين في القاهرة الكبرى من جميع الاتجاهات، في الهجمات على سجني المرج ووادي النطرون تحديداً، وأنها كلها عناصر جنائية كان هدفها تحرير سجناء قضايا مخدرات كبرى، وأن الدولة المصرية تعرف تحديداً من قام بالهجوم وأقربائهم من نزلاء السجون، حسب صبري.
وأكد صبري أنه خلال لقاء صحافي مسجل جمعه بوكيل جهاز أمن الدولة السابق، اللواء فؤاد علام، أقرّ الأخير بوجود “أمور كثيرة غير مفهومة في أحداث سيناء عموماً، وما جرى في هذه المحافظة تحديداً خلال الثورة المصرية”.

و«3» أدلة دامغة
من الادلة الدامغة على تورط الداخلية في فتح السجون لإثارة الفوضى مقاطع فيديو توثق الأحداث جمعتها صحيفة “العربي الجديد” في تقرير لها بعنوان: «من أمر بفتح السجون؟» ، ومنها أولا مقطع فيديو للإعلامي حافظ الميرازي على قناة “دريم2” الفضائية، إذ تلقّى الميرازي اتصالاً هاتفياً من مفتش مباحث المنيا أثناء الثورة، قص عليه حقيقة من اقتحم السجون، من خلال قصِّه لما رآه بأم عينيه. حيث أكد المقدم عمرو الدردير أن اللواء محسن مراد المسؤول عن السجن وقتها ــ وتم تعيينه محافظاً للقاهرة بعدها ــ رفض استدعاء الأمن المركزي ليمنع السجناء من الهرب، وتواطأ للسماح للسجناء بالهرب، وقد شاركه لواءات كبار في هذا التواطؤ، حسب رواية مقدم الداخلية؟ وأكد هذا الأخير أنه عوقب بالإيقاف عن العمل لعدم سماحه للسجناء بالهرب.
ثانيا، فيديو آخر لأحد أركان مبارك، وهو السياسي مصطفى الفقي، في لقاء سابق مع عمرو أديب، أكد فيه أن سيناريو فتح السجون والفوضى التي حدثت مع ثورة يناير، كان معداً مسبقاً لتنفيذه من قبل جمال مبارك في حالة الوفاة المفاجئة لوالده. ولكن تم تنفيذه مع ثورة يناير بالخطأ، حيث يبرز جمال كالمنقذ الذي يدرك الناس من خطر الإخوان والفوضى التي تحدث، ما يدفع الناس لمناداة المنقذ جمال مبارك لإنقاذ البلاد من الفوضى التي تحدق بها، وهو ما يؤكد وقوف النظام خلف سيناريو فتح السجون حسب رواية أحد المقربين منه.
ثالثا، أخطر هذه الفيديوهات، كان فيديو مداخلة على قناة “أون تي في” مع منال البطران شقيقة اللواء محمد البطران، مساعد وزير الداخلية الراحل ورئيس مباحث السجون، مع الإعلامي يسري فودة، أكدت فيه أن الداخلية هي من قتلت أخاها الذي كان المسؤول الأول عن السجون في مصر، حين أصر على رفض السيناريو الذي حاولت القيادات الكبرى تمريره من فتح السجون. وحين تصدى البطران بنفسه لهذا المخطط في سجن القطا بالفيوم، وذكرت بالاسم من أطلق النار عليه من الداخلية وهو الرائد جهاد حلاوة بأمر من العقيد عصام البصراطي مأمور سجن الفيوم. وأكدت شقيقة البطران أن النيابة لم تهتم وتجاهلت التحقيق في مقتل شقيقها، وتواطأت لطمس حقيقة مقتل اللواء الذي يعتبر مقتله الصندوق الأسود لكشف أحداث ثورة يناير. وكشفت النقاب عن المتورط الحقيقي في مقتله وهي الداخلية حسب روايتها، وهو ما يكشف صراحة من يقف حقيقة وراء مخطط فتح السجون.
خلاصة القول، أن الأدلة كلها تؤكد براءة المتهمين في قضية “اقتحام السجون” والقاضي يعلم ذلك لكنه يصر على تنفيذ الأوامر الصادرة له من قيادات النظام بإصدار حكم مسيس بأقسى الأحكام الانتقامية؛ تماما كما جرى مع نبي الله يوسف عليه السلام، فقد أكدت الأدلة براءته، لكنهم رغم ذلك بدا لهم بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ومكث فيه بضع سنين!

المقال :

شاهد أيضاً

ربيعنا العربي وشتاؤهم الفرنسي..بقلم: وائل قنديل

لم يكن ما جرى في باريس، طوال الأسبوع الماضي، ثورة، حتى نتمدد فوق الأرائك، ونستدعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *