التربية والتكوين في فهم جماعة الإخوان المسلمين

(( 1 ))
إن مفهوم التجديد عند الإمام حسن البنا أخذ بعدا آخر هو التأسيس … أي إعادة بناء الأمة من جديد ومن الأساس .. ذلك أنه يجب التفريق عند الدعاة إلى الإسلام بين وجود الدولة وانهيارها .. .
ففي الحالة الأولى وهو قيامها ولو في أي صورة فإن عمل المجدد هو الإصلاح والترسيم وتقوية المعوج وطرد الدخيل ،
أما الحالة الثانية وهو ما حدث بإلغاء الخلافة وسقوط البناء فقد لزم ووجب أن يكون التجديد لا ترميما ولا إصلاحا بل تأسيسا …
وما نشهده اليوم على ساحة العالم الإسلامي هو تجديد من هذا النوع … . إيجاد الفرد المسلم . والأسرة المسلمة . والأمة المسلمة . والحكومة المسلمة ….
وهذا ما يجب أن يكون مفهوما عند الحركات الإسلامية المعاصرة .. وهو ما تقوم عليه جماعة الإخوان المسلمين .
من أين نبدأ ؟
إن تكوين الأم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوه نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور :
إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف .
ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر .
وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل
ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره
على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها ، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبني المبادئ وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا . . .
التربية أساس التكوين
وقد لفت الإمام البنا أنظارنا إلى التربية، وأكَّد على ضرورة تعهُّد الأفراد بالتربية والمجاهدة حتى يشتدَّ العود ويكمل الاستعداد، فيقول: “إن معركتنا معركةٌ تربوية” ليغرس فينا أن أية دعوة لا تقوم على عمل تربوي إنما هي سراب خادع، وأدرك الإمام البنا أن بناء الرجال هو أهم ما ينبغي أن يُعنَى به المصلحون، ولعل من أهم المميزات التي تميِّز دعوة الإخوان عن غيرها أنها انتهجت النهج التربوي، وكان من أروع ما وُصفت به الجماعة كما قال أستاذنا العدوي رحمه الله أنها “جماعة تربوية”.
فالتربية عند الإخوان هي الطريق الوحيد لبناء الرجال الأوفياء الأتقياء، وهي الطريق الوحيد لإيجاد الفرد المسلم الصادق المجاهد، والإخوان يعلمون أن التربية طريقٌ طويلٌ شاقٌّ كثير العقبات، ولا يصبر على تكاليفه إلا القليل من الرجال، لكنه الوحيد الموصل للهدف ولا بديل عنه، فاختارت جماعة الإخوان أن تكون “مدرسة التربية والتكوين على منهج الإسلام الشامل العظيم”…
لقد كان الإمام مُلهَمًا حين حوَّل جوانب الإسلام العظيم من نظرياتٍ في الكتب إلى واقع محسوس وملموس بالتربية والتكوين، وينبِّه إلى أهمية مراقبة الصف وتنقيته فيقول “وإن كان فيكم مريضُ القلب معلولُ الغاية مستورُ المطامع مجروحُ الماضي، فأخرجوه من بينكم؛ فإنه حاجزٌ للرحمة، حائلٌ دون التوفيق”.
لقد حدَّد الإخوان مفهوم التربية والتكوين بأنه:
* الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية توجيهًا مباشرًا بالكلمة وغير مباشر بالقدوة، وفق منهج خاص ووسائل خاصة لإحداث تغيير في الإنسان نحو الأحسن.
* منظومة الخبرات التربوية التي تُهيِّئها الجماعة للأفراد بقصد مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل المتوازن في جميع الجوانب (الإيمانية والأخلاقية، والاجتماعية والسياسية، والعقلية والنفسية، والثقافية والفنية، والجسمية والمهنية)؛ نموًّا يؤدي إلى تعديل سلوكهم، ويعمل على تحقيق الأهداف التربوية المنشودة.
* تغيير الإنسان من حالٍ إلى حالٍ في (وجهته وأفكاره، ومشاعره وأحاسيسه، وأهدافه وطرائقه)، تكوينًا ينفذ إلى الروح والجوهر والمضمون، لا الشكل الظاهري فقط، وهو بذل جهد مزدوج من الفرد المرادِ تربيتُه ومن القائم بالتربية، عبر عملية طويلة ممتدة يُصاغ خلالها الفرد والأسرة والمجتمع وِفْق منظومةٍ إسلاميةٍ متكاملةِ البناء؛ تراعي مثلث التغيير المنشود في النفس البشرية (المعرفة والوجدان والسلوك) أو (النفس والقلب والجوارح)، فهو منهجٌ للتكوين يبدأ من الفرد.
هذه مدرستنا التربوية:
إن رسول الله لم يكن له منهج إلا القرآن، ولم يكن له من كلية ولا معهد ولا مدرسة تربوية إلا المسجد، وكان تلامذته أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وأضرابهم من أصحابه يتربون في هذه المدرسة، ومن هذه المدرسة المباركة انطلقت حضارتنا الإسلامية تغير الدنيا بمنهاجها، فهل رأيتم مدرسة أزكى وأنبل من هذه المدرسة؟
ومن هذه المدرسة خرج أنبل من عرفت الدنيا من أساتذة الدنيا في كل الفضائل الإنسانية والعلوم والمعارف، إنها المدرسة التي تهبط فيها الرحمات، وتتلي فيها الآيات ، وتشرق عليها أنوار رب العالمين ليصبح خريجوها أساتذة الدنيا كلها.
ويلح علينا سؤال: فيم كانت تحلم هذه العصبة التي رباها رسول الله ، وفيم كانت تفكر؟ وماذا تريد؟ وإلى أي مدى يمتد أمل هذه الكوكبة التي تجتمع في خفية وتتناجى سراً؟ ماذا يريد هؤلاء؟
إنهم يريدون أن يضعوا في رؤوس الناس عقلاً جديداً، وأن يقيموا على ظهر الأرض ديناً جديداً، وأن يبنوا كل البشرية بناء جديداً.
وأن يصلوا بين السماء والأرض وهم يقولون إياك نعبد وإياك نستعين، وهي القليلة في عددها، العزلاء من كل عدة، تريد أن تُهدي للناس بإذن ربها نظاماً جديداً، وإنسانية جديدة.
إنها المدرسة التي جمعت قلوب العباد على رب العباد، ووضعت في القلوب شعوراً جديداً وصنعت بهذا كله خير أمة أخرجت للناس، كما أرادها رب الناس بتربية كان عمادها أموراً ثلاثة، حققوا بها العبودية لله رب العالمين.
أولاً: الإيمان الكامل: هذا الإيمان الذي جردهم من كل هدف إلا هدف دعوتهم، لقد سمعوا النداء، ففروا إلى الله أولاً، واتخذوا “لا إله إلا الله” شعاراً لهم، وهزءوا بكل ما عداها، وسخروا من كل ما سواها.
علمتهم وربتهم على أنهم الحق الصراح، لأنهم تجردوا من وثنيتهم وأهوائهم وشهواتهم، ووهبوا كل هذا لله، فهم لا يعبدون إلا الله، ولا يخضعون إلا الله، ولا يعتمدون إلا على الله، ولا يسألون إلا الله، ولا يتلذذون إلا بشعورهم بالأنس بالله، وحين يألمون لا يألمون إلا لذنب يبعدهم عن الله، هذا الذي جمع بين قلوبهم، بعد أن علموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن العاقبة للمتقين، فانمحت الفوارق التي تمزق الجماعات، والتي تباعد بين القلوب لأنهم صبغوا بصبغة جديدة” صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة” (البقرة: 138).
ثانياً: الحب الوثيق واجتماع القلوب، وائتلاف الأرواح، فعلام يختلفون؟ على عرض زائل من عرض الدنيا؟ على تفاوت في الرتب والوظائف والألقاب وهم يعلمون”إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات: 13).
فلم توجد عوامل تدعوهم إلى الفرقة التي تمزق وحدتهم وهم صناع التاريخ والحضارة الربانية؟.. لذلك اجتمعوا وتوحدوا، وصاروا إخواناً في الله، فلم يحقر أحد منهم أحداً، بل أحب كلٌ أخاه حباً دونه كل حب، حباً بلغ درجة الإيثار، لأنهم قرأوا قول الله تعالى”قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين” (التوبة: 24) فكان حبهم الله، وبغضهم في الله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، فاصطبغت حياتهم بهذا الحب الذي سيقاتلون الناس به. على هذا توبوا.
ثالثاً: كما تربوا على التضحية التي دفعتهم إلى تقديم كل ما يملكون من النفس والنفيس لله رب العالمين، حتى أن أحدهم كان يتحرج أن يأخذ شيئاً من الغنيمة التي أحلها الله لهم حتى أنزل المولى فيهم “فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً” (الأنفال: 69).
حتى هذا الحلال تحرصوا منه، وتورعوا عنه، وتركوه حسبة لله تبارك وتعالى، كي لا يكون في أعمالهم شائبة طمع ولا حب دنيا، لذلك خرجوا من الذلة إلى العزة، ومن الغربة إلى الوحدة، ومن الجهالة إلى العلم، فكانوا بناة الحضارة بحق، وهداة البشرية، وعرائس الجنة، كل اكتسبوه بتزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.

شاهد أيضاً

كيف تنجح ثورة ؟! .. 4 دروس من “السترات الصفراء” لربيع الغضب القادم!

ارفع شعارات العدالة الاجتماعية .. لا تبال بالاتهامات.. لا تخشى التهديدات.. لا تعلن قيادة محددة.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *