الحكاية الكاملة.. كيف تحوَّل المصريون من تصدير الأرز إلى تسوّله؟

في منعطف تاريخي فاضح، فتحت الحكومة باب استيراد الأرز من الخارج لأول مرة في تاريخها، وبعد آلاف السنين من الإنتاج والاكتفاء الذاتي للسلعة الأبرز محلياً وعالمياً، كانت خلالها المصدر الأول لكل دول العالم.

وبينما رحّب تجار ومستهلكون بمساعي الحكومة المصرية لاستيراد الأرز، انتاب المزارعين خوف من القضاء على زراعة الأرز في البلاد، وأوضح موقع الثورة اليوم التفاصيل كالتالي:

90% عجز
وأكد “محمد عطية” – عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية – وجود عجز في كميات الأرز المُوردة لمخازن الهيئة العامة للسلع التموينية الحكومية، تصل نسبته إلى 90%، الأمر الذي أدى إلى اختفاء الأرز من معظم البقالات التموينية، مع بداية ديسمبر الجاري.
وتوقَّع “عطية” تراجع الأزمة مع بداية يناير المقبل مع توريد شحنات من الأرز المستورد، مضيفاً أن “وزارة التموين تُجري اختبارات الطهي هذه الأيام لعينات من الأرز المستورد؛ للتأكد من مطابقة مذاقه مذاقَ الأرز المصري”.
نكسة
ووفق وزير التموين والتجارة الداخلية “علي المصيلحي”، فإن مصر تستهدف استيراد مليون طن من الخارج لسد الفجوة الغذائية، خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام المقبل.
ويأتي فتح الحكومة الباب لاستيراد الأرز، بعد عقود من وصول مصر إلى الاكتفاء الذاتي، الذي انتهى مع موافقة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي على السماح باستيراد الأرز، في شهر يوليو الماضي؛ لسد العجز، فيما وصف نقيب عام الفلاحين “حسين عبد الرحمن أبو صدام”، قرار الحكومة باستيراد الأرز، بـ “النكسة”، موضحاً أن “حيتان الاستيراد يحركون مركب الحكومة نحو الغرق”.
ومنعت الحكومة 18 محافظة من أصل 27 محافظة من زراعة الأرز، الأمر الذي تسبَّب في خسائر كبيرة للمزارعين.
سرطان ورفع أسعار
ويرى خبراء زراعيون أن لجوء الحكومة إلى الاستيراد من الخارج لسد الفجوة الغذائية بسبب تقليص المساحة المنزرعة، سيرفع من أسعاره للمستهلك المحلي، وسيسهم في احتكاره من قبل كبار المستوردين.
واعتبروا أن قرار تقليص مساحة الرز ظَلَم الفلاح؛ كونه تسبَّب في إغلاق كثير من المضارب التي ضخّت فيها استثمارات كبيرة، في وقت لم تُقدّم الحكومة بديلاً للمزارعين.
وبحسب تقارير رسمية، يعد الأرز الغذاء الرئيس لـ80% من المصريين، وهو بديل رغيف الخبز.
وكان “إسماعيل تركي” – مستشار وزير التموين الأسبق – قد حذّر في تصريحات في نوفمبر الماضي، من استيراده من الصين، حيث إنه يحتوي على نسبة عالية من العناصر الثقيلة التي تُسبّب السرطان.
وكانت مصر تنتج قرابة الـ 4.5 ملايين طن سنوياً، تستهلك منها 3.5 ملايين، والباقي يتم تصديره، لكن الإنتاج قَلَّ مع تقليص المساحات المزروعة بهذا المحصول.
ومطلع مايو الماضي، أقرَّ البرلمان، بشكل نهائي، تعديلات قدّمتها الحكومة لبعض أحكام قانون الزراعة، بما يمنح وزيري الزراعة والري سلطة إصدار قرار بحظر زراعة محاصيل حسب استهلاكها للمياه.
وأصدرت الحكومة المصرية بالتزامن مع التعديلات القانونية، قراراً يسمح بزراعة 724 ألف فدان ، الذي بدأت زراعته مطلع مايو الماضي، مقابل 1.8 مليون فدان في 2017.
وتأتي تلك القرارات في وقت تتخوَّف فيه مصر من تداعيات سد “النهضة” الإثيوبي، وأن يكون لسرعة تعبئة خزانه آثار مدمرة على المزارعين المصريين، خشية أن يُقلّل من حصتها من نهر النيل (55.5 مليار متر مكعب سنوياً)، مصدر المياه الرئيسي في البلاد.
رغم التحذيرات.. إشادة البعض بالاستيراد!!
رغم التحذيرات.. إشادة البعض بالاستيراد!!
ومشيداً بقرار السماح باستيراده، قال “رجب شحاتة” – رئيس شعبة الأرز باتحاد الصناعات المصرية -: إن “السيسي فاجأ الجميع بالقرار بفتح باب الاستيراد”.
وأشار إلى أن مصر يمكن أن تستورد الأرز من عدة دول تضم: تايلاند والهند وروسيا والولايات المتحدة والبرازيل وميانمار.
وتأتي هذه الإشادة في الوقت الذي حذّر فيه الخبراء من مخاطر تقليص المساحة المزروعة بالأرز، والتوجه إلى استيراده.
ومن بين هؤلاء الباحث والمحلل الاقتصادي المصري “أشرف ابراهيم”، الذي قال: إن “الحكومة ترى استيراد الأرز من الخارج، أرخص من زراعته محلياً، لكن هذا الوضع خطير، ويضع الدولة في مأزق كبير”.
وأوضح أن “اعتماد الاقتصاد على استيراد الغذاء الأساسي يجعله عرضه لتقلبات أسعار الغذاء العالمية، كما أن الطقس السيئ عند بعض الدول سيُؤثّر سلباً على إمدادات الغذاء لضعف الإنتاج وبالتالي ارتفاع أسعاره”.
ورأى أن “استهلاك الأرز للمياه كان يمكن السيطرة عليه من خلال الاستعانة بالمراكز البحثية الزراعية في جميع الجامعات والمعاهد والمؤسسات المصرية؛ من أجل إنتاج سلالات أقل استهلاكاً للمياه”.
في سياق متصل؛ علَّق خبراء على أزمة زراعة الأرز، قائلين: أصبح نقص كميات المياه المخصصة للري أبرز شكاوى الفلاحين، خاصة في بداية زراعة محصول الأرز، مؤكدين على أن العام الماضي شهد نقصاً كبيراً في كميات المياه أدّى إلى جفاف مساحات من الأرض الزراعية وبوارها من المحصول بعد أن قاموا بتجهيز المشاتل.
وأضاف “هشام ضياء” أننا كل عام في بداية زراعة موسم الأرز نُعاني مشكلات لا يُعيرها أحد اهتماماً، فالعام الماضي كان كارثياً على الفلاح؛ بسبب فساد المحصول من قلة مياه الري.
وأوضح أنه “في هذا العام نعاني من نفس المشكلة، بالإضافة إلى نقص الأسمدة في الجمعيات الزراعية، وعدم ثبات التجار على سعر المبيدات؛ حيث تمكّنوا من غشّها بنسبة 70% منها”.
ولفت إلى أن الدورة السنوية للأراضي الزراعية لزراعة الأرز والذرة غير منتظمة، وقد فرض على محصول الذرة العامين الماضي والحالي، وهذا يعرض كثيرين من الفلاحين لخسارة كبيرة.
جهود حكومية لتقليص مساحة الزراعة
وتحاول حكومة الانقلاب منذ عدة سنوات تقليص مساحة الأراضي المزروعة بالأرز؛ لاستهلاكه كميات كبيرة من المياه، في ضوء أزمة “سد النهضة” الذي تبنيه إثيوبيا، وتقول مصر: إنه سيُقلّل حصتها من مياه نهر النيل.
وقدَّر خبراء إنتاج مصر من الأرز بنحو 4 ملايين طن ما يكفي لسد الاحتياجات المحلية، بيد أن هذا التخفيض في المساحة المزروعة منه تسبَّب في تقليص الإنتاج وبالتالي اللجوء للاستيراد.
على الرغم من أن إجمالى كميات المياه التى تستهلكها زراعة الأرز المقنن والمخالف يقترب من 15 مليار متر مكعب من المياه، تعادل 27% من حصة مصر من مياه النيل؛ ما يرفع من الضغوط على وزارة الري في تدبير هذه الاحتياجات.
ومع فشل نظام الانقلاب في التوصل لحل مع إثيوبيا؛ بسبب سد النهضة، تتخذ الحكومة قرارات صارمة للتقليل من استخدام المياه، حيث قلّصت مساحة زراعة الأرز المزروعة من مليون و100 ألف فدان إلى 724 الفاً و 200 فدان، إضافة إلى منع بعض المحافظات من زراعته.
وقدّمت حكومة الانقلاب مشروع القانون بعد أن وافق عليه مجلس الوزراء في ديسمبر 2017؛ حيث يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه خاصة في المحاصيل الزراعية الشرهة للمياه، وعلى رأسها الأرز، وتحسين فاعلية الأراضي الزراعية، على حسب زعمهم.
وتضمّن القانون الذي صدر في فبراير الماضي خطة لترشيد استهلاك المياه، وذلك عبر الحد من زراعة ثلاثة محاصيل شرهة للمياه وهي: الأرز، قصب السكر، والموز، وقررت تقليص مساحة الأرز المزروعة إلى 723 ألف فدان، بدلًا من مليون و70 ألف فدان في العام الماضي.
ويأتي إقرار هذا القانون بعد أيام من إعلان كل من وزير الخارجية السوداني “إبراهيم الغندور” ونظيره المصري “سامح شكري”، فشل المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي، والتي جرت بداية أبريل الماضي في “أديس أبابا” بحضور وزراء الخارجية والري ورؤساء أجهزة المخابرات لدول مصر والسودان وإثيوبيا.
وتوضح بيانات النشرة السنوية لإحصاءات المساحات المحصولية والإنتاج النباتي الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء، أن مساحة الأراضي المزروعة أرز خلال الفترة ما بين عام 2010 – 2011 إلى 2015 – 2016، كانت في المتوسط 1.4 مليون فدان، أي لم تنجح جهود أو حتى تهديدات وزارة الري بتغريم الفلاحين في وقف زراعة الأرز.

شاهد أيضاً

السيسي يواصل قروضه من الصين ويوشك على الوقوع في الفخ

بشروط أفضل كثيراً مما تقدمه الدول الأخرى، وخاصة الولايات المتحدة، تواصل الصين تقديم قروض ميسرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.