التربية والتكوين في فهم جماعة الإخوان المسلمين

ملامح التكوين التربوى وخصائصه:
وهذا التكوين التربوى يقوم على ركيزتين متساندتين هما:
أ – إحياء التربية الذاتية داخل كل فرد، « العمل مع أنفسنا أول واجباتنا..».
ب – والتزامه بالتربية الجماعية التي توفرها الجماعة ومناهجها، ومن خلال الرباط الذي يجمعها ويقوم على التعارف والتفاهم والتكافل.
وقد سمى الإمام الشهيد من يلتزم بـ: (واجبات الأخ العامل) ويعمل على ذلك بـ: «الإخوان الصادقين ».
ويقول: « هذا أيها المسلمون عصر التكوين، فكونوا أنفسكم وبذلك تتكون أمتكم، إن هذه الفريضة تحتاج منكم نفوسا مؤمنة، وقلوبا سليمة.
رسالة : إلى أى شيء ندعو الناس، ص44 .
محاور في البناء والتكوين
يؤكد الإمام الشهيد على أهمية الجوانب التالية في عملية التكوين للأفراد:
1- أهمية إيقاظ الإيمان، وتجديد الروح، وقوة المشاعر والوجدان كأساس للانطلاق والاستمرار:
يقول الإمام: « فنحن نريد أول ما نريد: يقظة الروح، حياة القلوب، صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر… نحن نريد نفوساً حية قوية فتية، قلوباً جديدة خفاقة، ومشاعر غيورة ملتهبة متأججة، وأرواحاً طموحة متطلعة متوثبة »
رسالة : دعوتنا في طور جديد،ص233 .
ويقول أيضاً: «.. واملؤوا روحه الوثابة بجلال الإسلام وروعة القرآن، وجندوه تحت لواء محمد ﷺ ورايته »
رسالة : الإخوان تحت راية القرآن،ص197 .
2- أهمية الفهم الشامل الصحيح للدعوة:
حدد الإمام، الأصول العشرين للفهم؛ من الركن الأول من أركان البيعة العشرة “الفهم ” .. ويتضح منها اهتمام الإمام الشهيد بركن الفهم عند الأخ المسلم
رسالة : التعاليم، ص356 : 359 .
وقد أكد الإمام الشهيد على هذه الأصول العشرين المستمدة من الكتاب والسنة ، كأصول للفهم الوسطي وليست أصولا للإسلام، تعين المسلم على تحديد إطار للفهم الصحيح، وهى كلها من منهج الإسلام ومعينه .
ويقول فضيلته في هذا أيضا: «.. دعوتنا إسلامية بكل ما تحتمل الكلمة من معان فافهم فيها ما شئت بعد ذلك، وأنت في فهمك هذا مُقيد بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين من المسلمين..
أما كتاب الله، فهو أساس الإسلام ودعامته..
وأما سنة رسوله فهي مبينة الكتاب وشارحته..
وأما سيرة السلف الصالح، فهم-رضوان الله عليهم- منفذو أوامره والآخذون بتعاليمه، وهم المثل العملية، والصورة الماثلة لهذه الأوامر والتعاليم»
رسالة : دعوتنا، ص18.
3- أهمية الولاء الكامل لها، والتجرد لها:
« فهي دعوة لا تقبل الشركة.. ».
4- وجوب العمل للدعوة والتضحية في سبيلها:
فلا يقف عند مجرد الكلام والشعارات.
يقول الإمام: « إن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته.. فهي دعوة لا تقبل الشركة؛ إذ إن طبيعتها الوحدة، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به »
رسالة دعوتنا.
ويقول: «.. وعلموه استقلال النفس والقلب، واستقلال الفكر والعقل، واستقلال الجهاد والعمل.. »
الإخوان تحت راية القرآن، ص197.
وجعل للعمل سبعة مراتب بدءا من إصلاح النفس حتى أستاذية العالم.

5- أهمية التركيز وعدم الطفرة:
فيقول الإمام: « ولابد من أن تحدد هذه الأهداف والمثل، ولابد من أن تحصر هذه العواطف والمشاعر، ولابد من أن تركز حتى تصبح عقيدة لا تقبل جدالاً ولا تحتمل شكاً ولا ريباً. وبغير هذا التحديد والتركيز سيكون مثل هذه الصحوة مثل الشعاع التائه في البيداء لا ضوء له ولا حرارة فيه »
رسالة : دعوتنا في طور جديد، ص 233 .
فهو تكوين يراعى التدرج ويقدم الأولويات، ويهيئ البيئة والجو المناسبين لهذا التكوين، ويستخدم مختلف الوسائل التربوية لتحقيق ذلك، وينظر للشخص نظرة متكاملة.

6- أهمية وحدة الصف والرابطة:
يقول الإمام: « آمنوا بفكرتكم، وتجمعوا حولها، واعملوا لها، واثبتوا عليها »
رسالة : بين الأمس واليوم، ص108 .
« ووحدتكم أيها الإخوان، وارتباطكم هو السلاح الأول، وهو أقوى الأسلحة في أيديكم، فاحرصوا على هذه الوحدة، وكونوا دائماً مع الجماعة، ولا تخالفوا عن أمر إخوانكم، ولا تفرقن بينكم المشاغل الزائلة ولا الأوهام القاتلة..»
مقالة: نصيحة من البنا إلى الإخوان، كتاب : الإمام الشهيد، الأستاذ فؤاد الهجرسى، ص111، ط2 .
وكذلك أهمية المناخ السائد داخل الصف والجماعة بكل مستوياتها، من:
مناخ: الحب والتفاعل والتناصح والتغافر وسعة الصدر وسلامة الطوية ونقاء السريرة،
ومناخ الثقة بكل معانيها، ووجود الشفافية والمصارحة والوضوح بين الأفراد والمستويات المختلفة، وإن أى خلل أو فساد في هذا المناخ ليؤثر تأثيرا جوهريا على الجماعة وأدائها، ولا يمكن للبرامج والوسائل والأعمال أن تؤتى ثمارها في ظل مناخ ضعيف أو فاسد، بل لا تجدى معه التعليمات واللوائح، وتنشأ داخله البؤر والجيوب والصراعات والمشاكل، وقانا الله إياها.

7- أهمية بث الأمل واليقين في تأييد الله ونصره للدعوة:
فيقول الإمام: « وبهذه المشاعر الثلاث: الإيمان بعظمة الرسالة، والاعتزاز باعتناقها، والأمل في تأييد الله إياها..أحياها الراعى الأول ﷺ في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله…إلى هذه المشاعر الثلاث ندعو الناس أولاً »
رسالة : دعوتنا في طور جديد، ص235 .

8 – الثبات على طريق الدعوة الذي يقوم على بصيرة ورؤية واضحة:
ويشير الإمام الشهيد إلى ضرورة تمثل وتوفر: « إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره »
رسالة : إلى أى شيء ندعو الناس، ص45 .
فالابتلاء والمحنة والصبر على مشاق طريق الدعوة هي معيار التمحيص والصهر والصقل لهذا التكوين.
وأن يتحمل ذلك، ويتحمل مجاهدة النفس وتربيتها، في صبر ورضى، كما أشار الإمام الشهيد لذلك في رسالة التعاليم، وعن يقين وقناعة، متذكرا على الدوام غايته الكبرى.

9- أهمية الإخلاص:
يقول الإمام: «..أن يقصد بكل قوله وعمله وجه الله »،
« لا ينظر إلى مغنم أو مظهر أو لقب أو تقدم أو تأخر»،
«.. أن يصبح جندى فكرة وعقيدة ».
ويقول الإمام الشهيد: «وإننا بحمد الله برآء من المطامع الشخصية، بعيدون عن المنافع الذاتية، ولا نقصد إلا وجه الله وخير الناس، ولا نعمل إلا ابتغاء مرضاته، وإننا نترقب تأييد الله ونصرته، ومن نصره الله فلا غالب له ” ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافين لا مولى لهم ” [ محمد: 11 ] »
رسالة : بين الأمس واليوم، ص 109.
«.. وإن كان فيكم مريض القلب.. معلول الغاية.. مستور المطامع.. مجروح الماضى فأخرجوه من بينكم، فإنه حاجز للرحمة، حائل دون التوفيق ».

10- أهمية العقيدة وعمل القلب:
يقول الإمام: « والعقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعاً وإن اختلفت مرتبتا الطلب »
رسالة : التعاليم، ص393.
11- أهمية أركان البيعة:
التى حددها الإمام الشهيد، وترابطها معاً، لتشكل الركائز الأساسية للتكوين، وسياج الحماية من الانحراف والتقلب والضعف وهى: « الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة »
رسالة : التعاليم.
12- إنه تغيير عميق شامل مستقر في النفوس والقلوب:
فهذا التغيير والتكوين للفرد لا يستهدف أو يقوم على مجرد تغيير شكلى، أو فوران عاطفى أو مهارة ونشاط في الحركة والتنفيذ، وإنما تغيير عميق وحقيقى للفرد: في الفهم والاعتقاد، وفى السلوك والعمل، وفى الدعوة والعبادات، وكذلك في المظهر والحركة والنشاط.

13- الواقع العملى في الممارسة من كافة الجوانب:
وهو لا يعتمد في نجاحه على مجرد الثقافة أو القراءة أو تغيير مظهر الشكل، وإنما على الواقع العملى في الممارسة من كافة الجوانب، يقول الدكتور يوسف القرضاوى موضحاً ذلك المعنى:
«.. يجب أن ننقل اهتماماتنا إلى الجوهر والروح بدلاً من انشغالنا بالشكل.. فمن ضيع التوحيد في العقيدة، والإخلاص في العبادة، والصدق في المعاملة، والرحمة في الخُلُق، والعدل في التشريع، والإتقان في العمل، والذوق في الأدب، والأخوة في العلاقة، فقد ضيّع جوهر الإسلام، وإن تمسك بظواهر الرسوم والأشكال ».
ويقول أيضا: «.. إن كثيراً من الذين يباهون بأنهم يحافظون على السنة، إنما يحافظون على شكلياتها أكثر مما يحافظون على جوهرها، حسن أن تهتم بالشكل والمظهر فتعفى لحيتك وتقصر ثوبك…إلخ، ولكن ليس حسناً أن تجعل هذه الأشياء هي الدين كله كأنها من أركان الإيمان، أو مبادئ الإسلام أو قواعد الإحسان.
وليس حسناً أن تتهم من لم يحافظ عليها بقلة الدين أو بضعف اليقين، أو اتباع غير سبيل المؤمنين.
وهى من التحسينات في أمور الدين، لا من الضروريات، ولا من الحاجيات التي فصلها الراسخون من أهل الفقه والأصول»
مقالة الدكتور يوسف القرضاوى : الصحوة الإسلامية، مجلة الرسالة ـ العدد الأول.

14- التوازن والاندماج بين الحركة والتكوين:
وهذا التكوين التربوى لا يتم كذلك بعيداً عن الواقع أو في حجرات منعزلة، بل إن الحركة والنشاط والتفاعل مع المجتمع والتحرك بأهداف الدعوة هي المجال الحقيقي لنمو وتأصيل هذا التكوين، وكذلك لرصد مردوده وتوجيهه وتقويمه.
إن تقسيم العمل والتكوين إلى محورين:
محور الحركة في المجتمع،
ومحور تربية الأفراد،
إنما هو مجرد تقسيم نظرى، أما الواقع العملى فلا يوجد هذا الفصل، فكما أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فكذلك التربية تشمل الجانبين الفردى والاجتماعي في تداخل كامل وتوازن عميق وتأثير متبادل، لا نستطيع فصل جانب عن جانب، مثلما لا نستطيع تجزئة جسم الإنسان ومكوناته الأساسية.
فالجوانب المتعددة مثل: المفاهيم، والقناعات، والوجدان، والمشاعر، والأخلاق، والسلوكيات، والإدارة، والحركة، كلها جوانب مترابطة متفاعلة، يصعب فصل جانب عن الآخر، وكلها في نطاق مفهوم التربية، ولا توجد تربية بدون حركة ونشاط وإدارة في كافة المجالات.
ومع كثرة النشاط وتعدد مجالات العمل المختلفة، قد يحدث ضياع التركيز، أو عدم الاهتمام بمتانة البناء الداخلى، لهذا لابد من توفر وضوح الرؤية، والإحاطة الكاملة بأهداف المرحلة، والتوازن بين محاور الحركة ومجالات العمل، وأن تهتم – مع الانطلاق والنشاط – بتكوين الأفراد وحالهم، وتنمية الركائز ودعمها، وتمثل المرجعية للقيادة العليا: الميزان في ذلك، والعين المبصرة، فهي تضع الاستراتيجية وترصد الظواهر، وتتابع التوازن، وتدفع العمل، وتتدخل للعلاج.

15- التكوين التربوى هو أساس المسؤولية في الصف:
يقول الإمام: « وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة»
رسالة : التعاليم، ص399.

16- اجتهاد الفرد مع نفسه واستيعابه وتطبيقه لمنهج التكوين:
يركز الإمام الشهيد في تكوين الأخ على: إصلاح نفسه، ودعوة غيره.
وأشار إلى جوانب العمل المطلوبة لتكوين الأخ الصادق حتى يكون:
« قوى الجسم، متين الخُلُق، مُثقف الفكر، قادرا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدا لنفسه، حريصا على وقته، مُنظما في شؤونه، نافعا لغيره»
رسالة : التعاليم، ركن العمل،ص394.
وبقدر اجتهاد الفرد مع نفسه واستيعابه وتطبيقه لمنهج التكوين بقدر نموه وارتقائه..
أما التكاسل والتفريط والإهمال فيعنى البعد والمفارقة ولا يشفع فيه لقب أو مجاملة.
يقول الإمام: « فخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم، وإلا ففى صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين ».
«وأعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غاياتك، كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة، وأنت منا ونحن منك».
ويقول: « وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك، وإن تصدرت فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بيننا بأكبر المظاهر، وسيحاسبك الله على قعودك أشد الحساب »
رسالة : التعاليم، ص369.

17- ومظاهر هذا التكوين تجمعها خمس كلمات، هي:
1- البساطة. 2- التلاوة. 3- الصلاة.
4- الجندية. 5- الخُلق.
وتتلخص صفاته في خمس نقاط:
1- الإيمان العميق. 2- الفهم الصحيح. 3- التكوين الدقيق.
4- الحب الوثيق. 5- العمل المتواصل.
وشعار هذه المبادئ في خمس كلمات هي:
1- الله غايتنا. 2- والرسول قدوتنا. 3- والقرآن شرعتنا.
4- والجهاد سبيلنا. 5- والشهادة أمنيتنا .

 

شاهد أيضاً

بيان حول التعرض لسياسات عمل الجماعة بعد مرحلة المخلوع مبارك

بسم الله الرحمن الرحيم تم التعرض لبعض شئون جماعة الإخوان المسلمين وسياسات عملها في مرحلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.