صناعة القرار السياسي في عهد قائد الانقلاب .. محاولة للفهم

في أعقاب انقلاب 03 يوليو 2013م الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي على المسار الديمقراطي في مصر ، باتت صناعة القرار السياسي المصري مرهونة بعاملين مهمين: الأول يتعلق بماكينة وآليات صناعة القرار التي تأسست في ظل نظام دولة “23”يوليو، والذي يقوم على توسع نفوذ المؤسسة العسكرية والبيروقراطية المصرية العتيقة المصبوغة بالنكهة العسكرية عبر العقود الست الماضية. والثاني يتعلق بالنفوذ الأمريكي وعمق الاختراق الذي أحدثته اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية سنة 1979م، وتوغل النفوذ الأمريكي ببطء وتدرج للسيطرة على صناعة القرار داخل المؤسسة العسكرية المصرية والتي تمثل اللاعب الرئيس في تشكيل وصناعة توجهات السياسة العامة المصرية. بل خلق ركائز جديدة تضاف إلى الركائز التي صنعها نظام 23 يوليو وباتت وظيفة النظام المصري هي ضمان المصالح الأمريكية وحماية أمن الكيان الصهيوني.

كلا العاملين صنع عدة ركائز أساسية في التوجهات العليا للسياسة المصرية ودور ووظيفة النظام السياسي الحاكم وملامحه وسماته المطلوبة حتى يكون قادرا على تنفيذ هذه السياسات وحماية تلك الركائز. لكن ثورة 25 يناير 2011م، أحدثت تهديدا مباشرا لهذه الإستراتجيات العليا التي صنعتها دولة العسكر واتفاقية السلام التي تسلل منها الأمريكان إلى عمق صناعة القرار المصري؛ حيث أدخلت الشعب كعامل رئيس في صناعة القرار وهو التهديد الذي قوبل بمناورات ومؤامرات محلية وخارجية عديدة لإجهاض هذا التوجه الجديد نحو الديمقراطية ومشاركة الشعب في صناعة القرار واختيار حكامه؛ وهو ما تم تتويجه بانقلاب 03 يوليو 2013م، الذي أعاد للمؤسسة العسكرية احتكارها المطلق للمشهد المصري بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية كما أفضى كذلك إلى بروز الدور الإماراتي وتأثيراته على صناعة القرار المصري من خلال المشاركة الفعالة في صناعة الانقلاب لإعادة الحالة المصرية على ماكانت عليه قبل يناير 2011م.

وأمام فشل نظام 30 يونيو في تحقيق أي نجاحات في ملفات السياسة والاقتصاد وغيرها واعتماده بشكل كامل على القروض والمنخ؛ باتت للدول والمؤسسات الدولية المانحة إسهاما بشكل مباشر أو غير مباشر في صناعة توجهات السياسة المصرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضا.

دولة الضباط والموظفين

تشكلت عناصر صناعة القرار في دولة “23”يوليو من الضباط والتكنوقراط المدنيين والموظفين ثم دخل على الخط رجال الأمن والأعمال في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك ؛ وأدى التفاعل بين هذه المكونات إلى تشكيل شبكة مصالح أو بالأدق “مافيا” هي ما نطلق عليه “الدولة العميقة”؛ وصاحب ذلك عبر العقود الست الماضية إصرارٌ على إبعاد السياسيين عن دائرة المشاركة في صناعة القرار؛ ما أسهم في تجريف الحالة السياسية وعدم إنتاج قيادات سياسية قادرة على التعامل مع الأزمات بشكل علمي صحيح؛ وهو ما تجلي بوضوح بعد الأطاحة بمبارك فلم تجد الثورة ساسة قادرين على إدارة المرحلة بشكل سياسي محنك؛ لذلك جاءت معظم اختيارات الحكومات في هذه المرحلة من دولاب البيرقراطية العتيقة في امتداد واضح لنفس السياسات التي كانت قائمة قبل الثورة.

لقد كانت السمة الرئيسية في دولة يوليو هي إبعاد السياسيين عن الحكم والإدارة خلال العهود الثلاثة: عبدالناصر والسادات ومبارك، وسواء كان الحكم يتم من خلال نخبة رجال الجيش والبيروقراطية فقط أم كان يضاف إليهم رجال الأعمال ورجال الأمن في بعض الأحيان، فإن السياسيين الذين يجب أن يكون دورهم بالأساس الحكم أو محاولة الوصول إليه لإدارة جهاز الدولة تم اقصائهم نهائيا عن هذا الدور، لـقد فشل نظام يوليو فى تحقيق التنمية «الاشتراكية» والتنمية «الرأسمالية» على السواء لأنه أصر على إحالة السياسيين إلى التقاعد وعلى خلق طبقة سياسية جديدة تتشكل أساسا من الضباط والموظفين.
وإزاء هذه المعطيات تأصل في الأهداف العليا للسياسة المصرية عدة ركائز:

أولا، ضرورة أن يكون الرئيس عسكريا، كما في الأسر المالكة التي تقوم على توريث الملك. ولا يقبل النظام مطلقا وجود رئيس من خارج الأسرة الحاكمة “الجيش في الحالة المصرية”.

ثانيا، ضرورة توزيع المناصب الحساسة في البلاد على أبناء هذه الأسرة “الجيش في الحالة المصرية وكذلك مؤسسة الأمن والتكنوقراط الموالين لهذه الأجهزة”.

ثالثا، كما تركزت صناعة القرار في الديكتاتور “عبدالناصر/ السادات/ مبارك…) وباتت مؤسسات القوة من الجيش والمخابرات وأجهزة الأمن هي المشارك الرئيس في صناعة القرار والتي تقدم المعلومات والتوصيات والمقترحات للديكتاتور وهم غالبا شخصيات خافية ليست معروفة للمواطنين.

رابعا، يختفي تماما أي دور أو إسهام للحكومة الرسمية من رئيس للحكومة والوزراء والمحافظين في صناعة القرار إلأ القرارات الدنيا التي لا تؤثر في السياسات العامة للدولة وتحدد إستراتيجيتها وتوجهاتها فهؤلاء “الحكومة الرسمية” مجرد سكرتارية لا دور ولا إسهام لهم في صناعة القرار إلا تنفيذ
“توجيهات الرئيس”.

خامسا، استقلالية المؤسسة العسكرية في إدارة شئونها بعيدا عن رقابة الشعب وفق معادلة تقوم على حماية رأس النظام الذي يكون بالضرورة من أبناء المؤسسة مقابل بسط المؤسسة نفوذها وعدم التدخل في شئونها ما دامت تؤدي الأدوار المنوطة بها في حماية رأس النظام ودعم توجهاته وسياساته.

الاختراق الأمريكي
أحدثت اتفاقية السلام التي أبرمها الرئيس الأسبق أنور السادات سنة 1979م، مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية اختراقا عميقا تمكن الأمريكان من خلاله وعبر العقود الثلاث الماضية من التسلل وصولا إلى التحكم في مفاصل صناعة القرار المصري ورسم السياسات العليا للبلاد بما يجعل من البوصلة المصرية متجة باستمرار نحو قبلة واشنطن ترعى مصالحها وتحمي امتيازاتها وتمثل عرابا لسياساتها في المنطقة مع ضمان حماية أمن الكيان الصهيوني.

من البداية أدركت واشنطن أن الهيمنة على المؤسسة العسكرية المصرية هو الضمان للسيطرة على مفاصل النظام المصري، وهو ما تحقق عبر آلتين: الأولى من خلال المعونة الأمريكية والمساعدات العسكرية التي تصل إلى “1,3” مليار دولار سنويا ففي حين تراجعت قيمة المساعدات الاقتصادية المقدمة للشعب من “800” مليون دولار إلى “250” مليونا فقط.. بقيت المساعدات العسكرية المقدمة للجيش كما هي “1.3” مليار دولار سنويا ما يؤكد الاهتمام الواسع من جانب الإدارة الأمريكية بالجيش باعتباره المهيمن على صناعة القرار السياسي بينما بقي الشعب خارج الممعادلة تماما.
أما الآلية الثانية، فتتعلق باعتماد تسليح الجيش المصري كليا على منظومة السلاح الأمريكي؛ حتى باتت واشنطن قادرة على إصابة منظومة السلاح المصري بالشلل من خلال التحكم الإلكتروني من جهة وقطع الغيار من جهة ثانية. ونجحت أمريكا بذلك في تحقيق السيطرة شبه المطلقة على أهم مؤسسات القوة في مصر ، كما نجحت في إخضاع السياسات المصرية العامة لتوجهات ومصالح السياسات الأمريكية على المستويين المحلي والإقليمي؛ بل في تحديد وظيفة النظام المصري بما يخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على عدة ركائز:

أولا، ضمان حماية أمن “إسرائيل”، واستمرار تفوقها على جميع بلدان المنطقة، كأهم الأولويات.

ثانيا، ضمان استمرار ضخ الوقود العربي للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما وبأسعار مناسبة كأولوية ثانية.

ثالثا، العمل على بقاء المنطقة رهينة للسياسات الأمريكية التي تملك مفاتيح القرار في المنطقة و99% من أوراق اللعبة السياسية بحسب تصريحات الرئيس الأسبق محمد أنور السادات. وهو ما يفسر توقيع النظام على معاهدة “سيس موا” (CISMAW)يناير 2017 والتي تجعل من الجيش المصري إحدى فرق البنتاجون الأمريكي كما تجعل من انتهاك القوات الأمريكية للأراضي والأجواء المصرية عملا مشروعا وقت الأزمات إذا كانت مصالح واشنطن معرضة للتهديد وذلك عبر التنسيق مع المؤسسة العسكرية المصرية.
أفضى اختراق الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للمعسكر العربي بعد اتفاقية السلام إلى أن وصلنا إلى مرحلة استناد مشروعية نظم عربية عتيقة على مدى تماهي مواقفها وسياساتها مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومدى قربها من توجهات واشنطن وحمايتها للكيان الصهيوني ومساعيها نحو دمجه في المنظومة الإقليمية عبر بوابة عواصم عربية كبرى ونظم ملكية وعسكرية عتيقة من خلال ما تسمى بـ”صفقة القرن”.

قرارات السيسي
إزاء ما سبق يمكن فهم وتفسير القرارات التي اتخذها جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي منذ ظهوره على مسرح الأحداث بعد ثورة 25 يناير 2011م بدءا من مساعيه الحثيثه للدفاع عن نظام مبارك وذلك في إطار الوظيفة التي تقوم بها المؤسسة العسكرية في حماية رأس النظام ما دام يقوم بحماية الركائز الأساسية المحددة للسياسات العليا للبلاد والتي وضعتها بيروقراطية نظام 23 يوليو والمصالح الأمريكية بناء على الالتزام بالبنود السرية والمعلنة في اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني.

واتخذ جنرال الانقلاب عدة قرارات مصيرية ومؤثرة للغاية في بنية المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية منها:

أولا، المشاركة في مؤامرة الانقلاب على المسار الديمقراطي وإجهاض كل مكتسبات الثورة وما تلى ذلك من مذابح دموية شاركت فيها المؤسسة العسكرية لأول مرة بصورة وحشية مفرطة في انكشاف فاضح لتغيير العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية من حماية حدود البلاد إلى السطو على نظام الحكم واحتكار المشهد بكل أبعاده وزواياه؛ وهو ما يمكن تفسيره على النحو الآتي:

1) الانقلاب هو إجراء مضاد من جانب المؤسسة العسكرية ويأتي في سياق حماية الركيزة الأولى لنظام يوليو التي تؤكد ضرورة أن يكون رأس النظام عسكريا مع ضرورة استقلالية المؤسسة العسكرية على مستوى الإدارة والبيزنيس وتمدد إمبراطوريتها السياسية والاقتصادية على نحو واسع.

2) يمثل الانقلاب حماية لأهم الركائز التي أكدت عليها صفقة اتفاقية السلام حول ضمان حماية أمن الكيان الصهيوني فقد كانت ثورة 25 يناير تمثل أكبر تهديد لأهم ركائز السياسة الأمريكية في المنطقة.

3) المذابح التي ارتكبتها المؤسسة العسكرية كانت من البشاعة والوحشية ما يثير عليها حصار دوليا لكن ما جرى عكس ذلك لأن المذابح تعرضت لها أكبر حركة إسلامية وشعبية في مصر وهي أيضا تمثل أحد أهم مصادر التهديد للكيان الصهيوني وبذلك فإن الانقلاب على المسار الديمقراطي وما تلاه من مذابح يصب بشكل مباشر في خدمة المصالح والسياسات الأمريكية الثابتة في المنطقة وهو ما يفسر رد الفعل الفاتر بل مشاركة الإدارة الأمريكية في مخطط الانقلاب كما كشف عن ذلك “كير كيباتريك” مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز السابق بالقاهرة في كتابه “بين أيدي العسكر” الذي فضح فيه الدور الأمريكي والإماراتي وكذلك الإسرائيلي والسعودي في تدبير الانقلاب.

4) الانقلاب وما تلاه من مذابح تعزز انفراد الجيش بالحكم من خلال التخلص من أكبر منافس شعبي يهدد بقاء المؤسسة العسكرية في الحكم “جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة” وقد أثبت الاستحقاقات النزيهة بعد الإطاحة بمبارك أن الجماعة وحزبها يحظيان بدعم شعبي واسع وحازت على أكثرية أصوات الشعب وفاز رئيس حزبها الدكتور محمد مرسي بانتخابات الرئاسة أمام الفريق “أحمد شفيق” الذي كان ممثلا للجيش والدولة العميقة في هذه الانتخابات؛ ولعل ذلك يفسر أسباب الانتقام الوحشي من الجماعة قيادة وأعضاء ، فشبكة المصالح والدولة العميقة ما كانت لتقبل بأي تهديد يؤثر سلبا على مصالحها ويهدد صفقاتها الخفية.

ثانيا، قرار التنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير”، للسعودية، وهو القرار الذي أصر عليه جنرال الانقلاب وتحدى فيه الإرادة الشعبية العارمة التي ترفض التنازل عن الجزيرتين كما تحدى حكما باتا من المحكمة الأدارية العليا بمصرية الجزيرتين، لكن هذا القرار تحديدا كشف في أبعاده ومراميه جانبا من الصفقة السرية الخاصة بمعادلة الحكم القائم في مصر لأنه بالأساس يشوه صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها تتبنى نظاما يفرط في التراب الوطني وهي التي طالما تتغني بحماية الوطن والدفاع عن ترابه ضد المعتدين؛ فإذا بها تبارك هذا التفريط في جزيرتين مصريتين دون أن يقدم النظام دليلا واحدا على صحة موقفه بأن الجزيرتين تتبعان السعودية. لكن في إطار فهم ركائز ومحددات السياسة العليا التي يقوم عليها نظام الحكم في مصر منذ 23 يوليو وما أضيف إليها بعد اتفاقية السلام فإن قرار التنازل عن الجزيرتين يصب مباشرة في خدمة ضمان حماية الكيان الصهيوني ودمجه إقليميا مع دول المنطقة ومنحه امتيازا كبيرا بجعل الملاحة في مضيق تيران ملاحة دولية وليست مصرية خالصة بما يعني عدم قدرة مصر على غلق الملاحة في مضيق تيران كما فعل عبدالناصر من قبل وهو مكسب كبير للغاية للكيان الصهيوني كما يشرك بشكل غير مباشر النظام السعودي في اتفاقية السلام مع الصهاينة وضمان وجود تفاهمات مع الصهاينة بهذا الشأن. بالمقابل فإن النظام سوف يعزز شرعيته الدولية والإقليمية برضا أمريكي وترحيب إسرائيلي بما لهما من نفوذ واسع، كما يحصل على امتيازات تمويلية واقتصادية وضمان ضخ شحنات الوقود السعودي عدة سنوات يما يساوي “23” مليار دولار بحسب الاتفاقية وهو ما يضمن بقاء المؤسسة العسكرية على رأس الحكم في البلاد.

ثالثا، القرارات الاقتصادية، وعلى رأسها قرار تحرير سعر صرف الدولار، وهو القرار الذي تم اتخاذه بدون دراسة آثار القرار على زيادة معدلات الفقر والتضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية، والأجهزة الكهربائية…وغيرها، ما أفضى إلى هبوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر وتآكل المرتبات والأجور والمدخرات بنسب تقترب من 100% بينما كان يمكن تعويم الجنيه المصري جزئياً (الخفض التدريجي) وهو إجراء اتبعته عدة دول مثل اليابان والصين لتجنب آثار اجتماعية لا تحمد عقباها.

كذلك قرار حفر تفريعة قناة السويس الذي أهدر حوالي “8” مليارات دولار (نحو 150 مليار جنيه مصري) بخلاف فوائد هذه الأموال لمدة 5 سنوات ما يعني أن السيسي بهذا القرار أهدر أكثر من “200” مليار جنيه على الأقل في ظل أزمة اقتصادية ومالية طاحنة. ثم اعترف بعد ذلك أنه كان يهدف رفع الروح المعنوية للشعب!

وبنفس الطريقة يهدر السيسي مئات المليارات في مشروع العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها معترفا في تصريحات متلفزة أنه لا يؤمن كثيرا بدراسات الجدوى للمشروعات. ويمكن فهم هذه القرارات في إطار معيارين:

الأول زيادة نفوذ مؤسسات التمويل الدولية التي تملي على النظام سياسات اقتصادية معينة مقابل منحه قروضا كبيرة مستغلة حاجة النظام إلى الأموال.

والثاني هو الضغوط التي يتعرض لها الجنرال من أجل تحقيق ما تسمى بشرعية الإنجاز أمام إحساسه بعدم مشروعية نظامه الذي تأسس عبر انقلاب عسكري وهو ما أوقعه في كثير من القرارات المتسرعة دون دراسة جدواها وعوائدها. كما أن لجوء النظام للتوسع في القروض يحقق مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال إضعاف مصر وجعلها دائما في حاجة للمساعدات وبذلك يمكن التحكم في أي نظام حكم حالي أو قادم بوضعه أمام مشكلات مستعصية على الحل إلا بعد عشرات السنين من الجهود المضنية وهو ما يصب تلفائيا في صالح ضمان حماية وأمن الكيان الصهيوني.

رابعا، لا يمكن تفسير قرارات السيسي الأمنية والإدارية والإطاحة بمعظم القيادات العسكرية في المجلس العسكري وهيمنته على الجيش والمخابرات العامة بتعيين ذراعه الأيمن اللواء عباس كامل مديرا للجهاز، بخلاف سيطرته على جهاز المخابرات الحربية وهيئة الرقابة الإدارية ووزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني وجميع مفاصل ومؤسسات الدولة على أنها تأتي في إطار الخوف من انقلاب عليه كما فعل هو ؛ كما ان الانتقام من الثوار وتزايد معدلات الاغتيال خارج إطار القانون لا يمكن تفسيرها على أنها خوف من الثورة فحسب؛ فثمة مؤشرات تؤكد أن نظام السيسي جزء من تحالف إقليمي كبير سياسي وأمني وأن بعض هذه القرارات يتم عبر مناقشات كبيرة في دهاليز أجهزة مخابرات إقليمية على رأسها الموساد و”السي أي إيه” وأجهزة المخابرات الإماراتية كما حدث تماما مع قرار الانقلاب الذي ثبت أن الترتيب عليه كان دوليا وإقليميا وشاركت فيه عناصر متعددة لتحقيق هدف محدد هو إجهاض مسار الثورة ووأد المسار الديمقراطي لخطورته على أمن الكيان الصهيوني وتهديد المصالح الأمريكية في المنطقة.

هناك بعد آخر مهم في فهم آليات صناعة القرار السياسي في عهد السيسي وهو ما يتعلق بسمات شخصيته باعتباره عسكريا لم يترب مطلقا على النقاش بقدر ما تربى على الأوامر والتوجيهات لذلك هو نفسه عبر عن ذلك بقوله “أنا مش سياسي”، كما أن عمله في المخابرات الحربية أكسبه سمات تتعلق بالقدرة العالية على المكر والخداع والغدر والخيانة مع القدرة على التلون بأنماط مختلفة في ذات الوقت وهو ما يفسر بكائه أحيانا في مواقف مصطنعة بينما هو نفسه يذبح العشرات عبر مليشياته في نفس اليوم ويسبب آلاما واسعة لملايين الأسر والأطفال والنساء بقسوة مفرطة وسادية متوحشة.

فالرئيس هو المحور أو البؤرة التي تبدأ منها وتنتهي اليها عملية صنع القرار حتى تتم صياغته في شكله النهائي، ولا ينبغي أن ننظر اليه وكأنه يعمل في فراغ، وانما تقوده وتحدد خطاه مجموعة من العوامل أو المتغيرات، بعضها ذاتي ويتمثل في تنشئته الاجتماعية والثقافية التي شكلت نمط وسمات شخصيته وقيمه ومعاييره ومعتقداته وآراءه وأفكاره. وبعضها الآخر موضوعي يتمثل في طبيعة المشكلة أو الأزمة موضوع القرار، وفي أجهزة ومؤسسات الدولة، ونوع النظام السياسي القائم، ووفرة المعلومات والحقائق، ودور النخبة أو الصفوة المحيطة به، وكذلك تأثيرات نظم الحكم الدولية وسياساتها الخارجية.

مما تقدم يتضح أن شخصية صانع القرار السياسي في تفاعله مع البيئة والضغوط الذاتية والموضوعية المحيطة به تعكس طبيعة القرار ومقدار نمط الرشد والعقلانية في هذا القرار. ويؤكد ذلك أن صانع القرار هو أحد العوامل الأساسية التي تؤثر في صنع القرار. فالقائد أو الزعيم الوطني تناط به عادة المسئولية النهائية في اتخاذ القرار، وأن المجتمع بدوره يمكن أن يتغير بدرجات تقل أو تكبر عن طريق قرارات يتخذها حكام استطاعوا أن يفهموا المحددات الاجتماعية.

الأمر الآخر أننا إذا وضعنا قرارات السيسي أمام ميزان المعايير الحيادية لرشد الحكم فإن نظام السيسي هو الأسوأ على الإطلاق في هذا الإطار وهذه المعايير هي:
1) مساهمة أو قدرة القرار على تحقيق الأهداف.
2) مدى قدرة القرارفي تحسين العلاقة بين القيادة السياسية والمواطنين، وذلك من منطلق تعبير القيادة عن رغبات وطموحات هؤلاء المواطنين.
3) تكاليف وأعباء القرار من منطلق أن النتائج والأهداف التي تحققت أفضل بكثير، وتفوق هذه التكاليف والأعباء.

خلاصة القول أن صناعة القرار السياسي في النظم الديمقراطية يقوم على أساس التوازن بين مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية والرأي العام والأحزاب السياسية لكن في النظم المستبدة مثل “مصر” فإن كل ذلك يتم اختصاره في شخص الزعيم الديكتاتور الذي تعاونه دائرة ضيقة للغاية من المساعدين والمستشارين على رأس ما تسمى بالأجهزة السيادية مثل الجيش والمخابرات العامة والمخابرات الحربية والأجهزة الأمنية إضافة إلى وزارة الخارجية مع توظيف الإعلام لتسويق القرارات وليس من أجل معرفة توجهات الرأي العام حيالها؛ لكن الأكثر خطورة هو الاختراقات الخارجية التي تحققت في صناعة القرار السياسي حيث تمكنت واشنطن وتل أبيب من وضع عملائها في سدة مفاصل ومؤسسات الدولة ومؤسسات القوة ما جعل القرار السياسي المصري مرهونا بتوجهات المصالح الأمريكية يمضي وراءها دون اعتبار لمصالح الأمن القومي المصري.

شاهد أيضاً

مصر تؤجل سداد 4.6 مليارات دولار للسعودية بفائدة 3%

أعلن البنك المركزي المصري، اليوم الثلاثاء، تأجيل سداد وديعة سعودية بقيمة 2.6 مليار دولار لمدة عام إضافي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.