مفهوم الدولة في فكر الأخوان المسلمين المنطلقات النظرية والفكرية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وسائر أصحابه وتابعيهم، والمستنين بهديهم إلى يوم الدين
تقديم
تنطلق رؤية الجماعة تجاه قضية المجتمع وأنظمة الحكم والدولة فيه من إيمانها المطلق بأنه ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة.
و”يعتقد الإخوان المسلمون أن الله تبارك وتعالى حين أنزل القرآن وأمر عباده أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم رضي لهم الإسلام ديناً، وضع في هذا الدين القويم كل الأصول اللازمة لحياة الأمم ونهضتها وإسعادها، وذلك مصداق قول الله تبارك وتعالى: ( الّذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) [الأعراف: 157] (رسالة إلى أي شيء ندعوالناس).
ولقد كون الإسلام بعطائه النظري والعملي على مرّ العصور ذاتية الأمة، وصاغ هويتها، وبنى أساسيات القوانين النفسية والعقلية والعملية فيها. فعلى أساسه تتحدد تلك القوانين تلقائياً، وفي ضمير الكثرة الكاثرة من أبناء هذه الأمة، تتضح معايير: الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح.
والإسلام في مفهوم الإخوان المسلمين نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أوعلم وقضاء، وهو مادة أوكسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أوجيش وفكرة، كما هوعقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
ونحن نؤمن أن الإسلام لا يعرف الكهانة ولا توجد فيه طبقة تحتكر الدين أوتتحكم في الضمائر وتغلق على الناس باب الله إلا عن طريقها.. وكل الناس في الإسلام رجال لدينهم لا يحتاجون إلى واسطة بينهم وبين ربهم.
وعلماء الدين في الإسلام ليسوا إلا خبراء في اختصاصهم يرجع إليهم كما يرجع إلى كل ذي علم في علمه ( فاسأل به خبيرا ) الفرقان – 59.. ولا ينبئك مثل خبير ) فاطر – 14.. ( فاسألوأهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل – 43
ومن حق كل مسلم إذا شاء أن يصبح عالما دينيا بالدراسة والتخصص لا بالوراثة ولا باللقب.. فالاسلام يرفض التقسيم المستورد للناس والمؤسسات إلى ما هو ديني وما هوغير ديني.. فلا انقسام للناس ولا للتعليم ولا للقوانين ولا للمؤسسات.. فكلها يجب أن تكون في طاعة الله وخدمة الإنسان .
والشريعة الإسلامية شريعة شاملة جاءت تنظم أصول العلاقة بين الإنسان وربه وبينه وبين نفسه وبينه وبين أسرته وبينه وبين مجتمعه وبينه وبين أمته الكبرى وبينه وبين البشرية جمعاء بل بينه وبين الكون الكبير من حوله.
والشريعة الإسلامية نصوص، ومقاصد، وقواعد، وبناء كلي يضع الأسس العامة لحياة إنسانية رشيدة، من غير حرج ولا إصر، تستهدف بناء مجتمع العدل والإحسان في جميع الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي إطار ما اصطلح الفقهاء على تسميته (جلب المصالح، ودرء المفاسد) على أسس من ضوابط الشريعة وثوابتها.
وباب الاجتهاد في الدين مفتوح، فلا يملك أحد إغلاق باب فتحه الله تعالى ورسوله وهو من الفروض الكفائية على الأمة فيجب عليها أن تضع من الوسائل والآليات من المعاهد والجامعات ما يخرج هذا النوع من العلماء ” وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون “.. التوبة 122.
ويعتقد الإخوان بأن العدل سنة كونية أقام الله السماوات والأرض عليها، لا تبنى الحضارات ولا تقوم المدنيات ولا ينهض العمران إلا في ظلها ولا تستقر الدول وينبسط سلطانها إلا بها، وإنما أنزل الله الكتب وأرسل الرسل بالبينات والهدى ليقوم الناس بالقسط وليحكموا بالعدل.
ويعتبر الإخوان أن العدل هوجوهر الشريعة الإسلامية، وأنها -أي: الشريعة- ما جاءت إلا لتقيم مجتمع العدل والمساواة بين بني البشر جميعًا، حكامًا ومحكومين، مسلمين وغير مسلمين.
ولا قوام للعدل بدون ضمان الحرية وكفالة المساواة وتحقيق الشورى، وبالعدل يتحقق التوازن بين مصالح الأفراد والجماعات وبه تضمن صلاح السلطة وعدم تحولها إلى مؤسسة تعمل ضد الشعب ومصالحه.
وترى الجماعة أن الله قد خلق الإنسان حر الإرادة وأقدره على اختيار ما يريد من الآراء والافعال، فالحرية فطرة مركوزة في الإنسان إلى أن يتحرر من الآسار والأغلال التي تقيده ليكون عبداً لله وحده وأن يقوم بوجه كل محاولة للتسلط أوالافتئات عليه، وأن يساعد الآخرين على ذلك، وجعلت الاعتداء حرية الإنسان أو الانتقاص منها تحدياً لإرادة الخالق وأوجبت على السلطة أن تحفظ على المواطنين حرياتهم وأن تهيئ المناخ الذي يدفع المواطنين إلى أمثل صور التحرر في وجه الضواغط الاجتماعية كلها.
والأصل الآخر من أصول بناء المجتمع في فهم الجماعة هو المساواة والتي تتأسس على وحدة الأصل الإنساني فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وجوهره مساواة قانونية بين أفراد المجتمع فالناس ضعيفهم وقويهم وغنيهم وفقيرهم وحاكمهم ومحكومهم أمام القانون والقضاء سواء، لا تمايز بينهم بسبب العرق أوالجنس أواللون أوالمهنة أوالمكانة الاجتماعية.
إن من صميم موقفنا الشرعي والحضاري أن الحكمة ضالةٌ لنا، ومهما كانت مشاركتنا في بناء الحضارة الإنسانية كبيرة أوضئيلة، فإننا نعتقد أن ثقافات الأمم، وتجارب الشعوب، ومعطيات الحضارة الإنسانية بشقيها المادي والمعنوي هي مصدر إغناء لمشروعنا الحضاري، وتحرص الجماعة على الاستفادة من تجارب الآخرين –(فالحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهوأحق الناس بها ).. رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وابن عساكر عن علي وحسنه السيوطي في الجامع الصغير) –
وهي ليست حكراً على أمة دون أمة ولا على جيل دون جيل، ولوكانت كذلك ما دعا الحق سبحانه وتعالى المؤمنين إلى أن يسيروا في الأرض وأن ينظروا…
كما تحرص على وضع حد لما هو شائع بين بعض دعاة الإسلام من استخفاف بتجارب الأمم والشعوب في مجال النظم السياسية والاقتصادية بدعوى أن المسلم لا يحتاج إليها أوأنّ الله سبحانه وتعالى لم يفرط في الكتاب من شيء وترى أنه لا يجوز الرفض المطلق ولا القبول المطلق لأي مذهب أونظرية من نظريات الإصلاح السياسي والاقتصادي أوالاجتماعي لأن الأمر مرهون بمصالح الأمة المنضبطة بميزان الشرع، وقد اقتبس عمر رضي الله عنه من أنظمة الدول الكبرى المعاصرة له، ولم يجد من الدين ما يمنعه من ذلك.. والاستفادة من تلك المعطيات يبقى محكوماً بالضوابط الشرعية والمصالح المشروعة.
الدولة
قال تعالى: (( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز )) سورة الحديد ( 25 )
وقال تعالى: (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور )) سورة الحج ( 41 )… وقال تعالى: (( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين )) سورة القصص (83 )… وقال تعالى: (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )) سورة النساء 58 )
تقديم:
الدولة ضرورة اجتماعية ووسيلة شرعية لازمة، غايتها حراسة الدين وبسط العدل ورعاية مصالح المواطنين، السلطة فيها وظيفة اجتماعية وخلافة مسؤولة يتحملها الكافة فكل فرد مسئول عليها ومحاسب علها باعتبارها أداة المجتمع الهامة لتنمية الإنجاز الاجتماعي في خدمة أهدافة المشتركة وتعزيز رصيده الحضاري والإنساني داخل المحيط الدولي.
مكانة الدولة:
في تحديده لمكانة الدولة، يقول الأستاذ البنا: “يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهولا يقر الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: (إذا نزلت ببلد وليس فيه سلطان فارحل عنه)، كما قال في حديث آخر لبعض أصحابه كذلك: (وإذا كنتم ثلاثة فأمّروا عليكم رجلاً).. وجميل قول الإمام الغزالي رضي الله عنه: (اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع)، فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة صماء لا روح فيها. كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها” (رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي: نظام الحكم).
وتقوم الدولة الحديثة، التي نتبناها وندعو إليها، على جملة من المرتكزات، نعتبرها الأساس الركين لبناء دولة قادرة على القيام بأعباء أي مشروع حضاري، تسعى الأمة إلى تحقيقه في مسيرتها الوطنية والقومية والإنسانية.

مفهوم الدولة الإسلامية
الدولة الإسلامية هي ما نطلق عليه الدولة (الحديثة) بالصيغة التي نقدمها في مشروعنا هذا، وليست بالدولة (الثيوقراطية) ولا هي بالدولة (العلمانية).. وهي دولة فكرة تقوم على نشرها.. كما هي دولة رعاية.
ولعل أهم ما يميز الدولة الإسلامية عن غيرها هوالأهداف العامة التي تتحمل هذه الدولة عبء القيام بها، والتي أوجزها المتقدمون بقولهم (القيام على أمر العباد بما يصلح معاشهم ومعادهم.. فثنائية الاهتمام بالمعاش والمعاد هي أول مميزات هذه الدولة.
بين الدولة الإسلامية والدولة الدينية:
إن الإسلام لم يقرر مصدراً غيبياً (للسلطة) يولد مع الحاكم. بل حارب (أدعياء الألوهية والربوبية) بكل أشكالها وأنماطها، وقرر المساواة بين بني البشر فهناك خالق (هو رب العالمين) وهناك مخلوق هم البشر أجمعون.
وأسقط كل دعاوى التكريم على أساس النسب (يا فاطمة بنت محمد اشتري نفسك لا أغني عنك من الله شيئا.) فلا قداسة لحاكم بحكم مولده، أونسبه.
وكذلك فقد أبطل الإسلام كل دعاوى (العصمة) التي يتذرع بها حكامٌ ادعوا في يوم من الأيام أنهم مقدسون أوملهمون، والعصمة في التصور الإسلامي، وقف على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه تبارك وتعالى، ولم ينشئ في بنيانه أبداً ما يعرف بالمؤسسة الدينية، لا في صورة فرد، ولا طبقة، ولا مؤسسة: (كالبراهمة) مثلا عند الهنود (والأحبار) عند اليهود و(الاكليروس) عند النصارى لأن العلاقة بين (الرب) و(العبد) في الإسلام علاقة مفتوحة بلا وسطاء (إياك نعبد وإياك نستعين)، (قل آمنت بالله ثم استقم ).. رواه مسلم في صحيحة.
والفارق الأهم بين الدولة الإسلامية والدولة (الثيوقراطية) هوأن مصدر الولايات جميعاً في الدولة الإسلامية إنما هو الأمة.
فالأمة هي مصدر الولايات، وخيار الأمة وبيعتها هي التي تمنح الحاكم أوصاحب الولاية حقه في السمع والطاعة. أي تمنحه السلطة. والسمع والطاعة للحاكم في التصور الإسلامي حق ذووجهين مدني يستمد من العاقد ما وفّى المعقود له بالعقد، وشرعي ينبع من طاعة الله سبحانه الذي فرض على المؤمنين الوفاء بالعقود (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).. المائدة – 1.. ولذلك يبقى حق السمع والطاعة مرتبطاً بموضوع العقد وشروطه الأساسية (إنما الطاعة في المعروف).. رواه الشيخان وأحمد والنسائي وأبوداود (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)… رواه أحمد والحاكم في مستدركه وصححه السيوطي.. أي خارج إطار العقد المتفق عليه بين الحاكم والمحكوم.
ومصطلح أهل الحل والعقد هوالتعبير الإسلامي عن الآلية المعبرة عن إرادة الأمة والتي يكون لها في كل عصر صورتها المؤدية للغرض منها.
والخلاصة: إن الدولة الإسلامية دولة مدنية تتميز بمرجعيتها الإسلامية المتفتحة…. وهي:
دولة تعاقدية: تقوم على الاختيار الحر المعبر عن إرادة الأمة ).. والإمامة عقد بين الإمام والأمة ممثلة بأهل الاختيار ( الحل والعقد ). والأمة مشرفة ومراقبة للعقد، وتملك الحق في خلعه إذا لم يوف بشروط العقد.

دولة مواطنة: المواطن هو الفرد الذي ينتمي إلى كيان سياسي ( دولة )، والانتماء الوطني غير الانتماء القومي أوالديني، ومصطلح مواطن تشمل كل إنسان ينتمي إلى الوطن، بعيداً عن الانتماء العرقي أوالقومي أوالديني، وكلمة مواطن تغني عن كلمة (ذمي )، وتشمل من حيث الدين ( المسلم، المسيحي، اليهودي، المجوسي، الوثني… إلخ ) شريطة أنه ينتمي إلى هذا الوطن.
كما تشمل من حيث العرق ( العربي، والكردي، والأرمني، والشركسي، والصيني، والفارسي، والأوربي، والأميركي…..إلخ ) شريطة أنه ينتمي إلى هذا الوطن. وقد كانت وثيقة المدينة خير مثال على أن الدولة المسلمة دولة مواطنة. فاليهود والمسلمون ( المهاجرون والأنصار ) مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.

دولة تمثيلية: ففي بيعة العقبة الثانية طلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا له نقباءهم ( ممثليهم ) وقد أخرجوا اثني عشر نقيباً كانوا كفلاء على قومهم.
وأهل الحل والعقد، أو أهل الاختيار، هم الذين يمثلون في النظم الدستورية الحديثة السلطة البرلمانية.

دولة تعددية: في المدينة المنورة ومع أول يوم لقيام الكينونة الإسلامية ذات السيادة، كانت (التعددية الدينية).
والله عز وجل أقر التعايش بين المسلم وغير المسلم، حسم هذا الأمر بقوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)..
وفي وثيقة المدينة منح الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود أسس الحقوق المدنية والسياسة في إطار الاعتراف بالتعددية الدينية في الدولة الإسلامية: جاء في هذه الوثيقة: (.. وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته) ثم تعدد الوثيقة بطون يهود بطناً بطناً وتعطيهم من الحقوق ما أعطت يهود بني عوف.
لقد كانت هذه (الصحيفة) الوثيقة أولى الوثائق السياسية في تاريخ الدولة الإسلامية، التي أسست للاعتراف بالتعددية الدينية في إطار المرجعية الإسلامية، وانطلقت هذه الحقيقة مع الدولة الإسلامية لتستوعب الملل والنحل والحضارات، في دائرة من التسامح، اعتبرت أمثولة حضارية في التاريخ الإنساني.
والجماعة ترى أن الآية الكريمة “والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” هذه الآية تتضمن أن الأمة هي مصدر السلطات فهي التي تولي من تثق بدينه وأمانته وخبرته وعلمه ومواهبه وكفاءته ليقوم على أمر من أمورها،… وأن رئاسة الدولة لا تؤخذ غصبا وبحد السيف بل بالإختيار الصحيح… وأن الأمة الإسلامية تدين بالعبودية لله وحده، وتقدس أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة وتؤمن بأن الناس لا يملكون الحكم إلا بما أنزل الله –تعالى- بمقتضى شريعة الإسلام، ومن ثم فهي لا تملك أن تفوض من أجازته ليلى أمرا من أمورها إلا بما قرره الشرع الحنيف وأن يسوسها على مقتضى أحكام الدين.
وإننا –مع التسليم بأن أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة هما الدستور الأسمى- ولا يعتد ولا يقبل ما خالف أيهما- فإن الأمة لابد أن يكون لها دستور مكتوب تستنبط أحكامه من نصوص الشريعة الغراء، ثم من مراميها وغايتها وقواعدها الكلية، ثم بحقها في تنظيم المباح، وأن الدستور يجب أن يضمن توازنا بين اختصاصات مختلف المؤسسات التي تدير شئون الدولة، حتى لا يطغى بعضها على بعض أويستبد أحدها بالأمر.
وتؤكد الجماعة على أنها تؤمن بتعدد الأحزاب، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودا من جانبها على تكوينها ونشاطها وإنما تكون ثمة جهة قضائية مستقلة هي التي يجري التحاكم إليها إذا لزم الأمر.
وتؤمن الجماعة أن مصلحة الأمة وأمنها واستقرارها يكمن في حرية العمل العلني للأحزاب والجماعات، وهذا لن يتم إلا بإقرار الحريات العامة، وإشاعة ثقافة الحوار في المجتمع بدل ثقافة الإقصاء وثقافة التعايش بدل ثقافة الاستئصال..

دولة تداولية:
من التداول اشتق العرب كلمة ( دولة )، والتعددية السياسية تؤدي إلى التداولية، وهي المقابل لحالة (الملك العضوض) الذي جاء بولاية العهد.. بدلاً من اختيار الأمة بواسطة الاقتراع الحر والنزيه.. وهي المقابل الموضوعي لحاكم مدى الحياة نجح أوأخفق.. [ إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ].
والتداولية هي تداول بين القوى والأحزاب السياسية بمناهجها واجتهاداتها.. وهوجوهر الشورى والديمقراطية وأسلوبها الأمثل لحل مشكلة الصراع على السلطة بمختلف مستوياتها.
ولن يكون النظام السياسي شوروياً ديمقراطياً ما لم يتضمن الآليات التي تتيح للجماعة السياسية التي تحظى بتأييد الأغلبية الشعبية بتولي السلطة لتنفيذ البرنامج الذي كانت تدعو إليه وذلك من خلال اقتراع دوري يحتكم الجميع إليه فالمجتمع وحده هوالذي يرجح هذا الاتجاه أوذاك.

دولة مؤسسات:
يتم العمل فيها بروح وجهد الفريق، ويتولى أصحاب الاختصاص مهامهم في كل ميدان. وفي إطار المؤسساتية يتحول الجيش إلى جيش وطني ( غير فئوي ) يحمي الوطن ( كل الوطن )، وتتحول المؤسسة الأمنية إلى مؤسسة تحمي حرية المواطن، وفي إطار المؤسساتية ستجد العقول المهاجرة مكانها في سياق وطني عام منتج.
ودولة المؤسسات تقوم على الشورى ؛ ضد الدولة الفردية، التي تقوم على الأهواء والمصالح الشخصية والعشائرية.

الشورى في المفهوم الإسلامي ليست بمجرد مبدأ سياسي معزول يحكم أشكال العلاقات السياسية فحسب.. بل هي نمط سلوك ونظام عام يصنع مختلف جوانب الحياة بصيغته… فبالإضافة إلى كونه قيمة إيمانية وخلقية توجه سلوك الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية، يتربى عليها الفرد والمجتمع لتصبح جزءاً من مكونات الشخصية المؤمنة وأحد مقوماتها.
والشورى التي نؤمن بها ونسعى إلى تحقيقها وتأسيس نظام الحكم عليها ليست قالباً جامداً نتعسف إسقاطه على أوضاعنا الراهنة ولكنها تعني المشاركة في الحكم وحق الشعب في تقرير شؤونه واختيار حكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم وضمان التزامهم في ما يصدروه من قرارات ويحدثون من أوضاع تحقق مصلحة المجتمع آخذاً برأي الشعب مباشرة أوعن طريق نوابه حتى لا يستبد بالأمر فرد أو ينفرد به حزب أوتستأثر به فئة.

إن التجسيد الأمثل لمفاهيم الشورى في عصرنا الراهن يوجب الأخذ بأحسن ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية في ممارستها الديمقراطية من أشكال وقواعد وطرق إجرائية وفنية لتنظيم استخلاص الإجماع وتحسين ممارسة السلطة وضمان تداولها سلمياً وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية فيها وتفعيل المراقبة عليها.. ذلك أن التطبيق العملي المعاصر للشورى كمرتكز للنظام السياسي والدستوري لا تنقصه المفاهيم الشوروية فهي مؤصلة ومؤكدة في شريعتنا الإسلامية بل يصطدم بغياب الهياكل والمؤسسات التي تعبر عن هذه المفاهيم وتتجلى فيها ممارسات الشورى والاختيار وترسي سلوكاً شوروياً إيجابياً قابلاً للتوارث والنماء.

دولة القانون:
يتقدم فيها أمن المجتمع على أمن السلطة.. ويحترم فيها الدستور من قبل الحاكم والمحكوم…
يستمد النظام القانوني في دولتنا المنشودة من الإسلام كقانون أعلى تجذر في المجتمع واستقر في وجدانه فصار فيه الأساس الوحيد للشرعية والمقياس المعتبر للمشروعية الصادرة عنه ومن خلال هذه الحقيقة يتحدد المعنى الحقيقي لمبدأ سيادة القانون، فالقانون كأداة اجتهادية مرنة للضبط الاجتماعي لا يكون له القبول والاحترام إلا بقدر اتساق أحكامه الجزئية مع مبادئ وقواعد القانون الأعلى في المجتمع فيتسق وينسجم مع ما ترسخ في ضمير الأمة ووجدانها من مبادئ وقواعد وقيم فيمتلك بالتالي أهلية السيادة ووجوبها عند التطبيق، بحيث يخضع له وينزل عنده حكمه جميع الأفراد بصرف النظر عن المكانة التي يحتلونها اجتماعياً أوالمركز الوظيفي الذي يشغلونه سياسياً أوإدارياً، كما تخضع له سلطات الدولة بمختلف مستوياتها وكذا الأعمال الصادرة عن مؤسساتها وأجهزتها، فتتحقق بالتالي دولة النظام والقانون.
إن مبدأ سيادة القانون هدف أساس نسعى لتحقيقه وترسيخه ونعمل على تحقيق جملة من المهام تتضمن تعزيز هذا المبدأ وتجسيده في الواقع العملي من أهمها:
– ضمان صدور التشريعات كافة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة حتى يكون كل فرد في المجتمع حريصاً على تطبيق القانون حارساً له.
– بسط سلطان القضاء وضمان استقلاله.
– ضمان خضوع سلطات الدولة للقانون وانضباطها به واحتكامها إليه، واعتبار كل تصرف يصدر من السلطات العامة مخالفاً للدستور والقانون باطلاً يستوجب المساءلة.
هذه أهم صفات الدولة في مشروعنا، وهي دولة مدنية مرجعها الإسلام، دولة حديثة، تقوم على التعاقدية، والمواطنة، والتمثيلية، والتعددية، والتداولية، ودولة مؤسسات وقانون.

شكل الدولة:
ترى الجماعة أنه كما يقول الأستاذ البنا: “النظام الإسلامي في هذا لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحاً بدونها، ومتى طبقت تطبيقاً يحفظ التوازن بينها ولا يجعل بعضها يطغى على بعض. ولا يمكن أن يحفظ هذا التوازن بغير الوجدان الحي والشعور الحقيقي بقدسية هذه التعاليم، وإن في المحافظة عليها وصيانتها الفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة، وهوما يعبرون عنه في الإصطلاح الحديث (بالوعي القومي) أو(النضج السياسي) أو(التربية الوطنية) أونحوهذه الألفاظ، ومردها جميعاً إلى حقيقة واحدة هي اعتقاد صلاحية النظام، والشعور بفائدة المحافظة عليه.. إذ أن النصوص وحدها لا تنهض بأمة كما لا ينفع القانون إذا لم يطبقه قاض عادل نزيه”
(رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي: نظام الحكم).

نظام الحكم
الحكومة فى فكر الإخوان المسلمين ركناً من أركان هذا الدين، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هوتشريع وتعليم، وهوقانون وقضاء.. وقد جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم ” الحكم ” عروة من عرى الإسلام، وعدّه الفقهاء من العقائد والأصول لا من الفروع والفقهيات.
رسالة ” المؤتمر الخامس ”
ويرى الإخوان، إن المخاوف والشكوك التي يثيرها البعض – بقصد أو بغير قصد – حول الحكومة الدينية بالشكل الذي عرفه العالم عن الكنيسة في العصور الوسطي، ليس لها وجود في الاسلام ولا في فكر الاخوان المسلمين كما أوضحوا ذلك في كثير من كتبهم ورسائلهم.. فالحكومة التي تلتزم تطبيق شرع الله تعالي بكماله وشموله هي حكومة مدنية ذات مرجعية اسلامية، بمعني أن نظامها السياسي يعتمد الشوري الملزمة، ولا يتحكم فيها رجال دين، وتقيم العدل وتصون الحريات العامة، وتقر التعددية السياسية، وللشعب حق مساءلتها وتعيينها وعزلها.
بيان الإخوان بتاريخ 18 يونيو1994
ويعتقد ‌الإخوان‌المسلمون‌أن‌نظام‌الحكم ‌الدستورى ( ‌النيابى ) هو‌أقرب‌نظم‌الحكم‌القائمة‌فى‌العالم‌كله‌إلى الإسلام وعلى أساس ما تتضمنه مبادئ الحكم الدستوري من القواعد التالية:
1- ‌المحافظة‌على‌الحرية‌الشخصية‌بكل ‌أنواعها.
2- ‌المحافظة‌على الشورى.
3- ‌الأمة هي صاحبة الحق في التفويض.
4-‌مسؤولية‌ الحكام ‌أمام ‌الشعب‌ومحاسبتهم‌على ما‌يعملون ‌من ‌أعمال.
5‌- ‌بيان ‌حدود ‌كل‌ سلطة ‌من ‌السلطات.

التعددية العرقية والدينية في المجتمع
يتكون النسيج الاجتماعي في بعض دولنا من مجموعات من الطوائف الدينية والعرقية، وتنظر الجماعة إلى هذا التنوع على أنه عامل قوة وغنى، وليس عامل تفتيت.
ولقد أقر الإسلام في إطار الثوابت العامة التي رسمها للإنسانية حقيقة المساواة بين بني البشر، هذه المساواة التي تقرر وحدة (الجوهر) الإنساني، فتسقط بذلك كل نظريات الأجناس والأعراق والألوان، لتكرس مكانها المساواة بين بني الإنسان.
(أيها الناس إن ربكم لواحد، وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى.).. رواه أحمد وأبونعيم في الحلية، والطبراني في الأوسط والبزار، وقال الهيثمي رجال البزار رجال الصحيح.
ومن المساواة في جوهر الإنسانية، ننتقل إلى المساواة في الحقوق المدنية العامة، التي تتيح للإنسان ضمن النظام السياسي العام، أن يتمتع بكافة الحقوق المدنية.
وتبقى مقولة (لهم مالنا وعليهم ما علينا).. سنة ماضية يسوس الإسلام بها كل من ارتضى أن يعيش بين جناحيه مما يعرف بالتعبير المعاصر بالأقليات.. يقول الأستاذ البنا رحمه الله: (وموقفنا من إخواننا المسيحيين في العالم العربي موقف واضح وقديم ومعروف، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وهم شركاء في الوطن، وإخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن، المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي، والبر بهم، والتعاون معهم على الخير، فرائض إسلامية لا يمتلك المسلم أن يستخف بها أوأن يتهاون في أخذ نفسه بأحكامها، ومن قال غير ذلك، أوفعل غير ذلك فنحن براء منه ومما يقول، ومما يفعل) ” بيان للناس – رسائل الإمام الشهيد حسن البنا “.
والجماعة تؤكد ان أن موقفها المبدئي من المواطنين غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية المختلفة كما سبق أن أوضحته هو موقف مبدئى ثابت مفروض على المسلمين بموجب إسلامهم وإيمانهم مؤكد بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة (قولية وعملية) وهذا الموقف يتلخص فى النقاط التالية:
هم جزء من نسيج مجتمعاتنا… هم شركاء الوطن والمصير.
لهم مثل ما لنا وعليهم مثل ما علينا.
حرية الاعتقاد والعبادة محترمة للجميع، والتعاون فى كل ما يخدم الوطن ويحقق الخير لكل المواطنين أمر لازم.
الحرص على روح الأخوة التى ظلت تربط على مدى القرون بين أبناء الوطن الواحد جميعا وإشاعة الأصول الداعية إلى المحبة والمودة.
– ويري الاخوان أن المواطنة أوالجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها قد حلت محل مفهوم ( أهل الذمة )، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات، مع بقاء مسألة الاحوال الشخصية من ” زواج وطلاق ومواريث…” طبقا لعقيدة كل مواطن.
وبمقتضي هذه المواطنة وحتي لا يحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده – يري الاخوان ان للمواطن غير المسلم الحق في أن يتولوا – باستثناء منصب رئيس الدولة – كافة المناصب الاخري من مستشارين ومدراء ووزراء.
وعلى التفصيل.. فموقف الإخوان من الإخوة المسيحيين في العالم الاسلامي موقف واضح وقديم ومعروف… لهم مالنا وعليهم ماعلينا، وهم شركاء في الوطن، وأخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن، المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي، والبر يهم والتعاون معهم علي الخير فرائض إسلامية لا يملك المسلم أن يستخف بها أويتهاون في أخذ نفسه بأحكامها.
ولأن نصوص القرآن والسنة الشريفة تأمر المسلمين بأنه ( لا إكراه في الدين) (سورة البقرة 256)، وبتأمين غير المسلمين أصحاب الكتب السماوية السابقة على دين الإسلام، خاصة اليهود والنصارى الذين يعيشون مواطنين في الدولة الإسلامية،
كما أن هذه النصوص تكفل لغير المسلمين فضلا عن حرية الإعتقاد، حرية الرأي، وترفض إجبارهم على التعامل بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية، وتتركهم يتعاملون طبقا لأحكام الشرائع التي يدينون بها، فهم يتزوجون طبقا لها زواجا معترفا به لدى الدولة المسلمة، ولدى المجتمع المسلم، تثبت به الأنساب التي يستحق بها الميراث، كما لا يلزمهم ما يلزم المسلم من المحرمات في المأكل والمشرب، ما دامت غير محرمة عليهم في دينهم..
كما أن النصوص الإسلامية تبيح للمسلمين التعامل معهم مادام المسلم ملتزما في ذلك بأحكام الشريعة الإسلامية..
كما أنها لا تفرق بينهم وبين المسلمين في حق تملك العقارات والمنقولات وجميع أنواع الأموال، والإشتغال بالمهن المختلفة، كالطب والهندسة والزراعة والتجارة…إلخ.
كذلك تجعل من حقهم تولى مختلف الوظائف التي لا تتصل بالعمل بأحكام الشريعة الإسلامية التي لا يدينون بها، بل وتتركهم يتحاكمون إلى أصحاب الإختصاص والفقه في شريعتهم فيما قد يقع بينهم من اختلاف وقضايا، ولا ينظر القاضي المسلم في هذه القضايا والنزاعات، ولا يحكم إلا إذا رفعوا هم أمرهم إليه…
وقد عاش أصحاب هذه الديانات غير الإسلامية في الوطن الإسلامي في أمان على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وجميع حرماتهم، وباستثناء حالات فردية، والتاريخ لا يثبت وقوع حالات اضطهاد عامة أومظالم شاملة على غير المسلمين.

وفي ضوء هذه القواعد فإن الإخوان المسلمين يحددون موقفهم من هذه القضية على أساس النقاط التالية:
1- لا إكراه في الدين ولكل فرد الحق في ممارسة شعائره الدينية وفق الضوابط العامة للمجتمع.
2- التكافؤ في فرص الحياة، والمساواة الكاملة أمام القانون حق مطلق لجميع المواطنين دون تفرقة بسبب يرجع إلى العرق أواللون أواللغة أوالدين.
3- الأحوال الشخصية للأقليات تحكمها شرائعهم، إلا إذا آثروا هم أن يتحاكموا فيها إلى شريعة الإسلام.
4- تسليم غير المسلمين بحق الأغلبية المسلمة في أن تحكم بشرع الله .

5 – ترى الجماعة أن قواعد العيش المشترك في المجتمع أربعة:
الأولى: احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه: وهوبالنسبة لنا كمسلمين مسألة شرعية، تشمل الاختلاف الديني والسياسي، حسب التقسيم المعاصر.
لقد أتاح الله تعالى للإنسان حريّة الاختيار بين الإيمان والكفر، ومع ذلك لم يحرم الكافر ممّا أعطاه لمن يؤمن به، لكنّه بيّن له أنّ الإيمان هوالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ودعاه إلى ذلك ورغّبه فيه، (لا إكْرَاهَ في الدِّين،ِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ، فمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغوتِ وَيُؤْمنْ باللَّهِ فَقَدْ استمْسَكَ بالْعُرْوَة الْوُثقَى، لا انفصَامَ لَها واللَّهُ سَميعٌ عَليم) سورة البقرة الآية 256.
إنّ هذه الحرّية الواسعة لجميع الناس كي يختاروا ما يريدون، حتّى بالنسبة للإيمان والكفر، تستلزم حتماً الاعتراف بنتائجها، والتعامل معها وفق الضوابط الشرعية. وإذا لم يكن الأمر كذلك فلا معنى أصلاً للحرّية.

الثانية: الأخلاق: وهي في نظر الإسلام قيم مطلقة يتعامل بها الإنسان مع الموافق والمخالف، لا تتأثّر باختلاف الدين، ولا بوسائل الإنتاج، ولا بأيّ اعتبار آخر. الأخلاق ليست أسلوب تعامل المسلم فقط مع من يحب، ولا مع أبناء عشيرته أوقوميّته أودينه، إنّها أسلوب التعامل مع الناس جميعاً.
هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل مع المشركين في مكّة ومع اليهود في المدينة، حتّى كانت أعظم صفة مدحه بها ربّه قوله عزّ وجلّ: (وإنّكَ لعلى خُلُقٍ عظيم) سورة القلم الآية4. والعيش المشترك في مجتمع واحد بدون أخلاق لا يمكن أن يقوم ويثبت ويترسّخ، والأخلاق عندنا تنبثق من الدين، ومن رسالاته السماوية.

الثالثة: العدالة: وهي أهمّ القيم الإنسانية على الإطلاق.. من أجل تحقيقها أرسل الله الرسل بالبيّنات: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالميزَانَ لِيَقومَ النَّاسُ بالقِسْطِ) سورة الحديد الآية 25. الكتاب هومصدر العدالة.
والميزان هو وسيلة تحقيقها، لأنه يعني التوازن بين الحقوق والواجبات، وهوما ينبغي أن تسعى إليه السلطات القائمة من خلال قوانينها التفصيلية، أومن خلال أحكامها القضائية.
هاتان القاعدتان (الأخلاق والعدالة) هما اللتان أشار الله تعالى إليهما في الآية الكريمة: (لا يَنْهاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذينَ لَمْ يُقَاتِلوكُمْ فِي الدّين،ِ وَلَمْ يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، أَنْ تَبَرّوهُمْ وتُقْسِطوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) سورة الممتحنة الآية 8.

الرابعة: التعاون: لا معنى للعيش المشترك إذا لم يتعاون فيه الناس لتحقيق المصالح المشتركة. وقد بيّن الله تعالى أنّ التعاون مطلوب حتّى مع المشركين (.. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا، وتَعَاوَنوا علَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوَانِ..) سورة المائدة الآية 2.
والله أكبر ولله الحمد

شاهد أيضاً

رئيسة وزراء نيوزلندا :سيُرفع آذان الجمعة على وسائل الاعلام وسنعقد حفل تأبين يشارك فيه قادة العالم

كشفت رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أردرن، الأربعاء 20 مارس/آذار 2019، عن خطوات تضامنية جديدة ستتخذها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.