الاستغراق في الدعوة (الداعي والناس) بقلم/ م.علاء فهمي

أيضًا من الدروس الجلية في سورة يوسف عليه السلام هو انشغاله الدائم بالناس وموقفهم من نعمة الله الكبرى عليه وعليهم وهي نعمة التوحيد ، وموقفهم من أوامر الله سبحانه بعدم عبادة غيره أو اتخاذ أولياء من دونه ..

شرح ذلك لصاحبي سجنه : “ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون” ..

ونلمح هنا أن هذا التعقيب كان على بيانه : “ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء” ، وكأن فضل الله على الدعاة أن يحملوا دعوة التوحيد خالصة للناس ، وأن هذا فضل لله سبحانه وتعالى على الناس أن يوجد فيهم هؤلاء الدعاة للتوحيد الخالص ، وتبقى المشكلة الأزلية : “ولكن أكثر الناس لا يشكرون” ..

ثم كرّر عليه السلام شرحه ثانيةً وعقب عليه بقوله : “ذلك الدين القيم ؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون” ..

وكأنه اعتبر عليه السلام ذلك مدعاة للدعوة والشرح والتوضيح حتى في أحلك الظروف ، لأن ذلك هو ميدان الدعاة الأساس : الناس ، ولم يعتبرها سببًا للهجوم على الناس أو هجرانهم !!

ومن ثم كان التعبير الجامع للصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه : “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد …..” .

ومن المفارقات أن المدعوين (الناس) يفهمون هذا الاهتمام من الدعاة ، وربما يستغلونه في بعض الأوقات ، أو يجعلونه مقدمة لطلباتهم ،

ومن هنا كان الالتماس الذي قدمه الساقي صاحب سجن يوسف ، والذي أنساه الشيطان بضع سنين أن يبلغ رسالة يوسف للملك ، ثم ذهب إليه مذكرًا يوسف عليه السلام في ثنايا طلبه بميدان دعوته : الناس ، مع أنه مرسل من الملك وليس من الناس : “لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون” ،

فنراه يستخدم نفس مفردات التعقيب الذي استخدمه سيدنا يوسف عليه السلام في شرحه للتطبيق العملي لقضية التوحيد : “ولكن أكثر الناس لا يعلمون” ..

ومع نسيان الناس للدعاة ، ومع جحود كثير منهم لمجهوداتهم في أوقات كثيرة ، إلا أنهم متأكدون أن الدعاة لن يخذلوهم إذا جدّ الأمر وادلهمت الخطوب ،

ومن ثم كما ذكرنا في السابق أن الساقي كان على ثقة مطلقة في استجابة يوسف عليه السلام وفي مقدرته على التأويل ، وأنه لا يمنع من الاستفادة به إلا حجزه بالسجن ، وأنه مستعد لتقديم خدماته للناس حتى وهو في محبسه ، فقال واثقًا : “أنا أنبئكم بتأويله ؛ فأرسلون” ..

ورأينا كيف كان سيدنا يوسف عليه السلام عند ظن المدعوين (الناس) ، وهذا يلفتنا إلى الاستعداد الدائم لهذا اليوم ، والأخذ بكل الأسباب لذلك ، حتى إذا تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور ، يكون الدعاة جاهزين ومؤهلين علميا ونفسيا وروحيا للمهمة التي تنتظرهم ، وهي انتشال الناس من كبواتهم ، وإخراجهم من التيه الذي يعيشون فيه ..

وليس الأمر بالتمني أو الشعارات ، بل بالاستعداد الحقيقي والتأهيل المكافئ للمهمة المنتظرة في شتى المجالات ،

وهذا واجب الدعاة كل في مجاله ، وفيمن يعول ..

هذا الاستغراق في الدعوة يستلزم من الداعية أن يهتم بميدانه ، ويؤهل نفسه في كل وقت وحين إلى استحقاق القيادة فعلا لا قولا ، حسبة لله تعالى لا بحثًا عن منصب أو مغنم ، أو حتى كلمة شكر ، شعاره الدائم : “لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا” ..

شاهد أيضاً

إحالة متهم بـ “خلية الوراق” لمفتي الجمهورية

قررت جنايات القاهرة، اليوم الثلاثاء 27 أغسطس ، إحالة أوراق المتهم عادل خلف من أصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.