عن “مصر السيسي”.. التي سيتعجب منها المصريون “..بقلم / شرين عرفة

“سنتين كمان وهتتعجبوا مصر بقت كده ازاي” ، عبارة جاءت على لسان “عبد الفتاح السيسي” ونقلها الإعلام المصري خلال لقاء عقده “قائد الانقلاب المصري” مع أعضاء الجالية المصرية في ألمانيا والوفد المرافق له في زيارته لألمانيا (يونيو 2015)، وهي من المرات القليلة التي وعد فيها السيسي وصدق، يتعجب المصريون بالفعل مما وصلت إليه البلاد ، حالة من التغيير الجذري تشهدها مصر على كافة القطاعات ، بدأت مع البشائر الأولى لانقلابه العسكري في الثالث من يوليو 2013 ، بتأميم كامل للإعلام والصحافة ، بإغلاق ومصادرة كل المنابر التي توقع منفذو الانقلاب عدم سيرها فوق الخط المرسوم لها مسبقا داخل أروقة الشؤون المعنوية ، لم يكتف السيسي بتوحيد الرأي وإفراد التوجه داخل منافذ الإعلام وتشكيله وفقا لرغبات النظام ، بل أعاد تقديم الدين الإسلامي وقولبته بما يتناسب مع حالة من قمع وظلم لم تشهد البلاد مثيلا لها من قبل ، أوفى السيسي بعهده وهو مرشح رئاسي، حين أكد في لقاء تليفزيوني، عُرض عام 2014 على فضائية صدى البلد : أنه مسؤول عن كل شيء في الدولة حتى دينها.

الدين الجديد

 حرب ضارية شنتها الدولة على العلماء والدعاة، تخطت المعارضين لتشمل كافة المعترضين على ذاك التوجه بتفريغ الإسلام من مضمونه والرغبة في عزله بالكلية عن المجتمع والناس، قام بإصدار قانون للدعوة يمنع من لا ترتضيه الدولة من صعود المنابر ، بالإضافة إلى تهميش دور الأزهر ، ثم التضييق التام على المساجد ومرتاديها، بدأت ملامح الدين الجديد الذي ارتضاه السيسي للمصريين تتضح شيئا فشيئا ، مع افتتاح نصب إحياء الإنسانية في منتدى الشباب نوفمبر 2018 ، لم تكن الإنسانية قد ماتت سوى في ممارسات نظامه القمعي ،بدا هذا الشعار الهلامي والبراق وكأنه البديل الجديد لدين الدولة الرسمي “الإسلام” ، حديث السيسي المتكرر والطاعن في الدين وأتباعه الذين اتهمهم بالإرهاب، ثم حديثه المتسامح للغاية مع بقية الديانات ، دعواته لبناء كنائس في المدن الجديدة ، رغبته التي أفصح عنها في بناء معابد لليهود المصريين إذا وجدوا ، والمبالغ الضخمة التي رصدها لتجديد المعابد الموجودة بالفعل ، ثم بناء أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط ، وأضخم مسجد على أرض العاصمة الإدارية الجديدة وافتتاحهما في يوم احتفال المسيحيين بأحد أعيادهم ، من خلال أناشيد تختلط فيها التواشيح الإسلامية بالترانيم ، تكشف لنا الكثير عن ذاك الدين الجديد!

توغلا مرعبا شهدته “عسكرة الاقتصاد المصري” بزمن السيسي ، امتزجت تجاهه مشاعر المصريين بين غضب ودهشة وسخرية، وصلت أحيانا حد الجنون، جمعت المؤسسة العسكرية في مصر بيدها كافة خيوط الاقتصاد المصري ، لم يعد الجيش المصري يقنع بمصانعه التي تنتج لنا الأدوات المنزلية والأواني وحلل الطبخ والمنتجات الغذائية “كالمعكرونة والصلصة والسمن” ، ولا بمحطات البنزين وقاعات الأفراح والمزارع وشركات المقاولات التي تحتكر مشروعات الدولة في البناء وتشييد الكباري ورصف الطرق وحفر الأنفاق، فوجدناه يقتحم مجالات أخرى مثل صناعة الكعك و”البسكويت” وألبان الأطفال وزراعة السمك والجمبري واستصلاح الأراضي والأنشطة التجارية المختلفة والمجال الإعلامي والدرامي، ووصلت أخيرا لصناعة الدواء!!! تغييرات أخرى هائلة، بدأت ملامحها تزداد بشاعة ، وتفاصيلها تذبح الضمير الوطني، رأيناها في خطواته لإعادة تشكيل الطبيعة الجغرافية والديموغرافية للبلاد، منذ انقلابه ، والسيسي يتعامل مع مصر (أقدم دولة عرفها التاريخ) كجزيرة تم اكتشافها حديثا ، اتفاقيات عدة لترسيم الحدود ، برية وبحرية ، شملت جميعها تنازلات عن أراضٍ وثروات مصرية ، بدأت بالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير ، وتبعتها اتفاقية لترسيم الحدود البحرية تنازل بموجبها السيسي عن حقول غاز بشرق المتوسط، ثم اتفاقية ثالثة ، تنازل فيها عن حصة مصر التاريخية في مياه النيل. هذا التفريط المخزي في حدود مصر وأمنها القومي، صاحبه تغيير ديموغرافي للطبيعة السكانية للبلاد، بدأت بخطة شيطانية لتهجير سكان شمال سيناء، وإنهاء وجودهم في مناطق مثل رفح والشيخ زويد، من خلال إقامة منطقة عازلة، بدعوى محاربة الإرهاب، بينما الهدف الحقيقي، كان حماية أمن إسرائيل (وهو ما أكده السيسي في نوفمبر 2014 بلقاء تليفزيوني له على قناة “فرانس 24” حين شدد على أنه لن يسمح بأن تكون سيناء قاعدة لتهديد أمن جيرانها أو منطقة خلفية لهجمات ضد إسرائيل). افتتح السيسي القوس، ولم يغلقه بعد، فشهد المصريون حملات مسعورة لتهجيرهم من مناطقهم التي ولدوا فيها من أجل إلقائهم للمجهول، دون تعويضات عادلة وبالقوة الجبرية والعنف. كثيرا، ما نجد دولة السيسي لا تكلف نفسها عناء تقديم مسوغات تشرح أسباب رغبتها بإلقاء أعداد من المواطنين في الشارع، أو هدم بيوتهم أمام أعينهم، حُجة واحدة استعانت بها السلطات المصرية في أغلب عمليات التهجير، وهي الزعم ببناء مساكنٍ على أرض تملكها الدولة، يتساءل المصريون في حيرة، أولسنا الدولة؟! أي سلطة تلك التي تملك حق طردنا من منازلنا، عشنا بها عشرات السنين، بنيناها بالكد والعرق، ونحمل عقودا تثبت شراءنا لأرضها، من سلطات مصرية عديدة، وبحقب زمنية مختلفة؟! يعيد السيسي تقديم مفهوم الدولة، حيث يُصنَف المصري كلاجئ فوق أرضه، ليس من حقوقه التملك، ولا يحق له سوى الانتفاع المؤقت، الذي ينتهي على الفور، في اللحظة التي تشاءها الدولة العسكرية، التي تملك الأرض بمن فيها، وما عليها. تتحول الحكومة بوزاراتها ومؤسساتها لسمسار وضيع، تحكمه المادة، غايته تحقيق ربح سهل سريع، دون مراعاة لأدنى حقوق المصريين الآدمية، مشروع استثماري تعلن الدولة عن نيتها إقامته بمنطقة رأس الحكمة، شمال البلاد، تدور عجلة التهجير مسرعة لتدهس ما يقارب الخمسين ألفا من الناس، ومشروع ثانٍ في مثلث ماسبيرو تسبب في هدم المنطقة بالكامل وتشريد المئات من العائلات، وثالث في جزيرة الوراق، يهدد استقرار ما يقارب المئة ألف إنسان.

أخيرا نزلة السمان

وأخيرًا وليس آخرًا في “نزلة السمان” ، تهجير قسري ، يأتي عقب بيع لأرضٍ مأهولة بالسكان في مناطق حيوية بالقاهرة ، لشركات إماراتية وخليجية ومتعددة الجنسيات ، بدعوى الاستثمار فيها ، لا يبدو الغاية منها سوى الأرباح المادية لدولة تُسقط تماما من حساباتها حقوق المواطنين والقيم والأخلاقيات، بل تبرز بجانب الأهداف المادية المتوحشة، الرغبة لدى النظام بإحداث تغييرات مخيفة ، تشمل كل شيء ، بدءًا من الهوية والدين والثقافة والتاريخ ، وتتضمن كذلك إعادة تشكيل البلاد من خلال العبث بحدودها الجغرافية، وطبيعتها السكانية ، للوصول لتلك الصورة المرعبة التي وعدنا بها السيسي منذ سنوات، مصر جديدة ، سنتعجب، وربما سُنصدم ، كيف وصلت إلى هذه الحال!

شاهد أيضاً

قراءة في القراءة.. ردًّا على أحمد منصور ✍️عز الدين الكومي

قبل الشروع في مناقشة ما ورد في مقال الإعلامي أحمد منصور: المعنون “قراءة في أخطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.