حول الإسراء والمعراج – الإمام حسن البنا

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[الإسراء: 1].
ذكرت حديث الإسراء والمعراج بالأمس، فطافت بالنفس هذه الخطرات:
أليس من المفارقات العجيبة أن تهتم الأمة الإسلامية أعظم الاهتمام بالاحتفال بذكرى الليلة العظيمة التي أسرى الله فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ حيث أراه من آياته الكبرى، وتجلى عليه بالنعمة العظمى، وهذا المسجد الأقصى والأرض المباركة حوله وفلسطين المقدسة مهددة كلها بهذه الغارة الشعواء من: مطامع اليهودية، وأضاليل الإمبراطورية البريطانية والحكومة الأمريكية، والمسلمون في بقاع الأرض ينظرون ولا يتحركون، ويقولون ولا يفعلون، وغيرهم جادون ماضون إلى ما يريدون!
أوليس من المفارقات العجيبة كذلك أن تستعرض الأمة المسلمة في هذه الليلة كيف أن الله -تبارك وتعالى- رفع فيها نبيها العظيم فوق السموات العُلا، بل إلى حيث جاوز سدرة المنتهى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى.
وتقرأ قول الله -تبارك وتعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8] إلى جانب قول هذا النبي العزيز صلى الله عليه وسلم: “من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني”، وتردد الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 21]،
ثم هي بعد ذلك ترضى بالدون من المنازل، وتقنع بالذليل من الأوضاع، وتجيء في أخريات الأمم والشعوب، وتستكين لسلطان الغاصبين والظالمين، وقد وعدها الله أعظم مثوبة المجاهدين؟!
أوليس من المفارقات العجيبة -أيضًا- أن تعلم هذه الأمة أن أول آية نزلت في قرآنها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: 1-5]، وأن الله -تبارك وتعالى- حين أسرى بنبيها صلى الله عليه وسلم وعرج به إنما أراد أن يريه من آياته الكبرى، وأن يطلعه على أسرار الكون ومساتير الوجود، وأن يملأ بالعلم والمعرفة قلبه وعقله؛ حتى يبلغ ذروة الإيمان وذروة العرفان معًا، وأن الله -تبارك وتعالى- أمرها أمرًا جازمًا بالمسير في الأرض والنظر في الكون ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾[يونس: 101]،
ثم هي بعد ذلك تقنع بهذه القشور من علم الدنيا وأسرار الدين، وتتخلف عن ركب الأمم المجاهدة في تسخير قوى الطبيعة التي جعلها الله للإنسان من المسخرات ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾[الجاثية: 13]، حتى يتحكم فيها غيرها بحكم القوة المادية، ويسبقها سواها في ميادين المعارف الكونية؟!
ويقول الذين غرهم ما عرفوا من العلم: كيف يستطيع إنسان أن ينتقل من مكة إلى بيت المقدس في هذه الفترة الوجيزة قبل معرفة السيارات، واختراع الطائرات؟
وكيف يرتفع بعد ذلك إلى السموات مع خلو الطبقات العليا من مقومات هذه الحياة الإنسانية من: هواء وماء وغذاء؟!
وكيف لا يذوب بقوة الاحتكاك بالأجرام العلوية حين يصعد بهذه السرعة المحكية؟… إلى غير ذلك من شبهات يوردونها واعتراضات يقفون عندها.
ونقول لهؤلاء: إن الأمر أيسر مما تظنون، والخطب أهون مما تصورون! إنكم تقرون بأنكم لم تدركوا كل قوى الكون، ولم تحيطوا علمًا بنواميس الطبيعة، فافرضوا هذه مما غاب عنكم علمه، ولم يصل إلى مدارككم فهمه ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الإسراء: 85]، ولو استعرضتم تاريخ الكشوف العلمية لتذكرتم كيف قوبل كل كشف منها بالجحود والنكران، ورمى صاحبه بالزور والبهتان، ثم نزل العقل الإنساني بعد ذلك على حكم الوقائع الثابتة بعد لجاج، واعترف بالنتائج بعد طول إنكار وحجاج ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الإسراء: 85].
ونقول لهم كذلك: لقد أثبت العلم العصري التجريبي الذي تدلون به وتعتمدون عليه أن القوة النفسانية تستطيع أن تؤثر في الأجسام المادية، فتنقلها من مكان إلى مكان، وترتفع بها عن سطح الأرض، وقد أجرى العلماء النفسيون عدة تجارب واقعية من هذا النوع أمكن بها أن يرتفع بعض الجالسين بكراسيهم عن الأرض بضعة أقدام، ثم بضعة أمتار، فإذا استطاع الإنسان بقوته النفسانية الضئيلة أن يأتي بهذه الأعاجيب، فهل يكون بعيدًا أن يمد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقوة الروحية التي يرتفع بها في ملكوت الله إلى حيث يشاء الله؟ إن الإنكار والجحود سهل ميسور لمن أراد، ولكنه ليس من الرسوخ في العلم، ولا من العمق في الفهم في شيء ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾[آل عمران: 7].
فيا أمة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، اعتزي وتعلمي وجاهدي، وآمني بالله أعمق الإيمان، وفي ذلك الفوز المبين ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 105].

شاهد أيضاً

رمضان يوماً بيوم – (22) الدعاء

الدعاء حبل ممدود بين السماء والأرض ، يعرفه حق المعرفة المؤمنون الخاشعون وعلى ربهم يتوكلون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.