يوميات الموت في معتقلات السيسي

روى مُعتقل مصري محكوم بالإعدام تفاصيل ما يصفه بـ”يوميات الموت” داخل الزنزانة التي يقبع فيها منذ نحو خمسة أعوام.

وقال محمود علي (اسم مستعار)  إنه مُعتقل في أحد سجون منطقة طره (جنوبي القاهرة) بتهمة التظاهر، والانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، والمشاركة في أعمال عنف مزعومة، مؤكدا أن تلك الاتهامات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق.

وأضاف:” أنا محبوس في زنزانة تبلغ مساحتها نحو مترين في مترين، ومعي فردان بداخلها، وكل شخص معه نحو أربعة بطاطين نقوم بفرشها على الأرض، وكل شخص ينام على مساحة 50 سنتيمترا تقريبا، وأضع على اليمين وعلى اليسار كرتونة ورقية حتى نتفادى الأمراض، خاصة أننا ننام جميعا ملتصقين ببعضنا البعض، وتكاد تكون أجسادنا متلاصقة تماما”.

وتابع:” نقوم بتعليق ملابسنا في أعلى الزنزانة على شيء اسمه (سحورة)، وهي عبارة عن ثقب في حائط الزنزانة، ونضع فيه كل شيء من ملابس أو أدوات الطعام والنظافة أو الدواء، ونحاول أن نرتب متعلقاتنا فيه”.

وأردف:” نحن ثلاثة أشخاص من ذوي أعمار متقاربة، وكل فرد منا لديه طبيعة خاصة وصفات بعينها، ونحاول أن نتحمل بعضنا البعض، ونهون على بعضنا البعض، ونشحذ همم بعضنا البعض، خاصة أننا نظل داخل الزنزانة لمدة 23 ساعة يوميا”.

ويشير “علي” إلى أنهم يخرجون للتريض ساعة واحدة فقط في اليوم في مكان يُسمى “الأنبوبة”، وهو مكان مُغلق وضيق جدا طوله يبلغ نحو عشرين مترا وعرضه نحو متر و60 سنتيمترا، مضيفا:” نتنفس الصعداء حينما نخرج تلك الدقائق، وكأنك تعطي الأكسجين لشخص كاد أن يموت ليبقى على قيد الحياة، إلا أنك سرعان ما تحرمه من هذا الأكسجين”.

ويوضح المعتقل الثلاثيني أن أعداد رفاقه المعتقلين داخل السجن الذي يقبع فيه كبيرة للغاية، ويعانون من تكدس خانق، ما يصيب الكثير منهم بأمراض مختلفة، خاصة في فصل الصيف.

 

وينوه “علي” إلى أن “إدارة السجن تقوم بإخراج المعتقلين في ساعة التريض على مراحل وبالتناوب، لأنه من المستحيل أن يخرج جميع المعتقلين في وقت واحد”.

وعن برنامجه اليومي داخل الزنزانة، قال:” نحن نستيقظ في حوالي الساعة الثامنة أو التاسعة صباحا، ونقوم بصلاة الضحى ثم نخرج للتريض ثم نعود إلى الزنزانة لتناول الإفطار، وبعد ذلك نقوم بصلاة الظهر..

وبعدها، نظل نقرأ القرآن أو ندخل في نقاش حول أي موضوع أو أي قضية شخصية أو عامة حتى يأتي موعد صلاة العصر، ونتسامر قليلا بين بعضنا البعض، وبعد ذلك نتناول وجبة الغذاء ثم ننتظر حتى تحين صلاة المغرب..

وكل مُعتقل له ورد يومي يلتزم به، وقد نقرأ القرآن معا بشكل جماعي، وبعد ذلك نقوم بصلاة العشاء ثم نعود لقراءة القرآن مُجددا، وهناك من يقوم بالحفظ وآخر يقوم بالتسميع، ونقوم بتعليم ومساعدة بعضنا البعض..

ثم ننتظر قليلا في المساء، وبعد ذلك نخلد إلى النوم، ونستيقظ قبل صلاة الفجر بقليل لنصلي صلاة القيام وتلاوة بعض الأذكار حتى صلاة الفجر، وبعدها نخلد إلى النوم”.

وبالنسبة لزيارات أهالي المعتقلين، يقول “علي” :”إذا ما سمحوا لنا بذلك نخرج لأهالينا ونحن مقيدو اليدين بالكلبشات (قيود حديدية)، ونجلس معهم نصف ساعة أو ساعة على الأكثر، وهذه الزيارة تكون مرة واحدة في الشهر أو مرتين على الأكثر وعلى سبيل الاستثناء الذي نادرا ما يتكرر”.

وأكمل:” بالطبع لا نستطيع أن نحضن أطفالنا أو أهالينا خلال دقائق الزيارة المعدودة –التي تمضي أسرع من البرق- بسبب القيود والأغلال التي تكون في أيدينا، ولا يخفى على أحد كمّ المضايقات والتضييقات والإهانات التي نتعرض لها ولأهالينا خلال تلك الزيارة”.

ويشير إلى أن “النساء اللائي يحضرن لزيارة المعتقلين يتعرضن أحيانا كثيرة للتحرش اللفظي والجسدي من قبل أفراد الشرطة، خاصة في ظل التفتيش الذاتي الشديد لهن بالأيدي، فضلا عن منع إدخال الكثير من الأطعمة بزعم أن السجن يصرف لنا كل يوم تلك الأطعمة، التي غالبا ما تكون سيئة ولا تصلح للأكل”.

أما بالنسبة للعلاج والمرضى والمستشفى، فيؤكد “علي” أن طبيب السجن يمر عليهم كل فترة، وإذا ما وجد أن معتقلا تستدعي حالته الذهاب للمستشفى فيخرج هذا المعتقل لمستشفى السجن لكن بصعوبة كبيرة، وبالطبع يذهب وهو مُقيد اليدين، “ونُصدم أحيانا بعدم وجود أطباء داخل المستشفى”.

وتابع:” حينما يكون هناك سجين في وضع صحي سيئ جدا يقوم جميع المعتقلين بالطرق بشدة على أبواب الزنازين حتى يسمع حرّاس السجن صراخنا ويستجيبوا لنداءاتنا بضرورة نقل هذا المعتقل إلى المستشفى، وأحيانا يسمع الحرّاس طرقنا على الأبواب وصراخنا دون رد أو استجابة، ويتعمدون تجاهل نداءاتنا..

أما إذا ما استجابوا لنا فيقوم أفراد الشرطة بإبلاغ ضابط السجن وإدارة السجن بحالة المعتقل حتى يتم إحضار مفاتيح الزنزانة، وإبلاغ ممرض وطبيب السجن، وهذا الأمر قد يتجاوز الساعتين. وعلى قدر الصرخات والطرق على الأبواب تكون السرعة والاستجابة..

وأحيانا لا تكون هناك أي استجابة من الحرّاس على الإطلاق، ويظل المُعتقل المريض يعاني من مرضه حتى الصباح مهما كانت شدة الألم، وحينما نخرج للتريض في صباح اليوم التالي نحاول جاهدين وبكافة الطرق الممكنة كي نجعلهم يأخذونه للمستشفى لسرعة علاجه”.

وبالنسبة للتفتيش الحكومي الذي يحدث داخل السجن، أضاف:” يتم ذلك من وقت إلى آخر بشكل مفاجئ؛ حيث نفاجأ صباح يوم ما بفتح الزنزانة علينا ليقولوا لنا إن هناك تفتيشا فنخرج من الزنزانة، ويتم تفتيشنا ذاتيا بالأيدي ثم يدخل أفراد الأمن ليقوموا بتفتيش الزنزانة وقلبها رأسا على عقب (بطاطين أو ملابس أو أدويه ويفتشون أيضا عن أي هواتف محمولة أو أي نقود مالية أو ملابس مخالفة للسجن)..

وتكون الزنزانة بعد التفتيش في حالة دمار كامل، ثم يقوم كل معتقل بالبحث عن ملابسه ومتعلقاته، ثم نحاول ترتيب الأمور من جديد لتنظيم وترتيب الزنزانة، وبعدما ننتهي من ذلك نكون في حالة إرهاق وتعب بشكل كبير”.

واستطرد قائلا:” قد يكون هناك تفتيش من مصلحة السجون، وهذا يكون أمرا آخر ومختلفا تماما؛ ففي معظم المرات يأخذون كل شيء داخل الزنزانة ويتركون لنا أشياء بسيطة للغاية من متعلقاتنا، وهذا يحدث كل ثلاثة أشهر تقريبا”.

وبالنسبة للتعامل مع حرّاس السجن، يقول إن “هناك مجموعة من المُخبرين (أفراد شرطة) يديرون كل شيء داخل السجن، وهؤلاء عبارة عن آلات لتنفيذ الأوامر فقط، دون أي مشاعر إنسانية أو وازع من ضمير”.

ويروي “علي” أنه كان في إحدى المرات مريضا وطلب من أحد المخبرين في الصباح الحصول على العلاج والذهاب إلى المستشفى، وقد تجاهل طلبه ثم أتى له في نهاية اليوم وقال له إنه سعى لتوفير العلاج له، ففرح “علي” كثيرا وشكره على ذلك، إلا أنه عاد وقال له: “لكن الصيدلية كانت مُغلقة وستنتظر حتى الغد”.

وحينما أخبره “علي” بسوء وتدهور حالته الصحية آنذاك، رد عليه المُخبر مستنكرا وساخرا: “ماذا أفعل لك؟ لتنتظر للغد أو حتى بعد غد. لن تموت لا تقلق”.

وقال:” كل شيء هنا داخل السجن يتم إنهاؤه بما يسمى البونات التي هي تحل محل النقود والتي نضعها في الأمانات لنشتري بها أشياء من كافتيريا السجن، والأسعار التي نشترى بها دائما ما تكون أغلى من الأسعار خارج السجن بـ 30% أو 40% تقريبا. وأي شيء موجود داخل الكافتيريا يُمنع إدخاله لنا تماما في الزيارة حتى نضطر لشرائه لاحقا”.

واستطرد قائلا:” كما أن أي إصلاحات أو متطلبات للزنزانة تكون على حساب المعتقلين، فعلى سبيل المثال لو حدثت أي أعطال في السباكة أو الكهرباء (إصلاح اللمبات على سبيل المثال) أو أي شيء آخر فإنه يتم إصلاح ذلك على حسابنا الشخصي. لا شيء يحدث مجانا رغم أنها أشياء أساسية من المفترض أن تتحمل نفقاتها إدارة السجن”.

وحكى “علي” عن ما وصفه بأبشع موقف تعرض له داخل محبسه، قائلا :”دخل علينا الزنزانة حرّاس السجن فجر أحد الأيام بينما كنت نائما، وطلبوا مني سرعة الاستيقاظ والنهوض معهم، فحينما سألتهم عن السبب، قالوا لي: حانت لحظة إعدامك لنرتاح منك وترتاح أنت من وضعك داخل السجن..

وبالفعل أخذوني بقوة خارج الزنزانة، بينما كنت أحاول الثبات وقراءة آيات من القرآن، ونطق الشهادتين، لكن حقيقةً وقع الأمر عليّ كالصاعقة، وبعدما خرجت معهم وأخذوني لمنطقة التريض (الأنبوبة)، فإذا بهم توقفوا فجأة ونظروا لبعضهم البعض، ودخلوا في نوبة ضحك وسخرية قائلين بعدما انهالوا عليّ بالسباب: لن تموت اليوم. سنتركك حتى الغد أو ربما بعد غد. لكن تأكد أن هذا اليوم آت لا محالة. أما اليوم فقد كنّا نضحك عليك ونختبر أعصابك ليس إلا”.

شاهد أيضاً

حقيقة براعم البطاطس المسمومة !

كشف  الدكتور هاني الناظر، الرئيس الأسبق للمركز القومي للبحوث، عن حقيقة ما يتم تداوله بشأن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.