أمي وصفقة القرن..بقلم/ عزام التـميمي

بماذا كانت سترد والدتي رحمها الله لو كانت ما تزال اليوم في عالم الأحياء وسمعت ما أعلنه ترامب حول صفقة القرن؟ الأغلب أنها لم تكن لتتفاجأ إلا بحجم الاهتمام الذي أولاه الناس لخطته.

فوالدتي غفر الله لها وأسكنها فسيح جناته ولدت ونشأت في مدينة بئر السبع، عاصمة صحراء النقب في جنوب فلسطين، وكانت هي ووالداها وباقي أفراد عائلتها من ضحايا الغزو الصهيوني الذي ألجأهم في عام 1948 إلى الرحيل شمالاً باتجاه مدينة الخليل، المدينة التي وُلد ونشأ فيها والدي رحمه الله.

بالنسبة لوالدتي وملايين اللاجئين الفلسطينيين وذراريهم، ما حصل لهم هو أن بلادهم تعرضت للغزو، وأراضيهم للمصادرة، وحياتهم للتدمير على أيدي غزاة جاءوا بزعمهم هرباً من التنكيل الذي تعرضوا له في أوروبا، تنكيل نالهم لم يكن للفلسطينيين فيه يد لا من قريب ولا من بعيد.

ما هي القضية بالنسبة لوالدتي وللفلسطينيين الذين شردوا في الأرض منذ ذلك الحين؟ لقد كانت باستمرار، وماتزال، ليس إقامة دولة فلسطينية يحدد جلادوهم حجمها وشكلها وحدودها، وإنما حق العودة إلى ديارهم.

إن الشيء الوحيد الذي لم يأت ترامب على ذكره في خطته، وهو الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يعني شيئاً بالنسبة للفلسطينيين، هو حق العودة. كل ما ورد في الخطة لا يتعدى كونه إقراراً للوضع القائم الذي صنعه الغزاة وأبناؤهم بهدف واحد لا غير ألا وهو الحيلولة دون عودة الفلسطينيين إلى وطنهم. لا يوجد في إعلان ترامب أكثر من مجرد الاعتراف بذلك الأمر الواقع، والذي تتشابه مواصفاته، إن لم تتطابق تماماً، مع مواصفات نظام الأبارتيد، نظام الفصل العنصري، الذي ساد دهراً في جنوب أفريقيا.

لم تضع إلى الأبد فقط تلك الأراضي التي اغتصبها الصهاينة من الفلسطينيين في عام 1948 بل وكذلك ضاعت أجزاء كبيرة من الأرض التي احتلوها في عام 1967، حيث أقاموا مستوطنات استعمارية يقيم فيها اليهود دون غيرهم، وما لبثوا منذ ذلك الوقت كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً يوسعونها فوق مزيد من الأراضي التي ينهبونها في الجوار.

إذن، لم يفعل ترامب من خلال الإعلان عن خطته أكثر من نسبة الفضل لنفسه في إضفاء مشروعية غير مسبوقة على ما سرقه الصهاينة من أراض فلسطينية منذ عام 1967. فرغم الموقف الأمريكي القديم الداعم (دون شرط أو قيد تقريباً) للكيان الصهيوني، إلا أن رئيساً أمريكياً واحداً لم تسول له نفسه الاقتراب مما فعله ترامب، وظلت جميع الإدارات الأمريكية السابقة ملتزمة رسمياً بالمرجعية التي تتشكل من قرارات الأمم المتحدة وما تم التوصل إليه في عملية السلام التي ولدت من رحم اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والصهاينة.

في تلك الأثناء استمر الإسرائيليون، وبشكل خاص منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق إسحق رابين في عام 1995، في خلق وقائع على الأرض تحول دون إنجاز ما اتفق عليه المتفاوضون، فمضوا يصادرون الأراضي ويهدمون البيوت ويشيدون المستوطنات الجديدة ويوسعون ما كان منها قائماً، ويعلنون ضم القدس ومرتفعات الجولان ويقيمون جداراً للفصل.

ولكن لابد من الاعتراف بأن هذه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة ما كانت لتقع بسهولة لولا التعاون الأمني القائم بين سلطة الاحتلال والسلطة الفلسطينية. ولهذا السبب قلما تجد فلسطينياً يأخذ على محمل الجد إعلان رئيس السلطة وغيره من مسؤوليها أنهم يعترضون على صفقة القرن. فلو كانت تلك الصفقة لا تعنى أساساً أكثر من مجرد إضفاء الاعتراف الأمريكي الرسمي على التغييرات التي أحدثها الإسرائيليون في مختلف أرجاء الضفة الغربية، فإن كثيراً من هذه التغييرات ما كانت لتحدث لو أن الفلسطينيين في الضفة الغربية كانوا يملكون حرية المقاومة أو على الأقل حرية الاعتراض والاحتجاج.

 

إن الجرائم التي ترتكبها الأجهزة الأمنية الفلسطينية من حيث تقييد حريات الفلسطينيين وتسهيل إلقاء القبض على نشطائهم واعتقالهم لا تقل عن الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون أنفسهم ضد الفلسطينيين.

لا يملك محمود عباس القدرة على فعل الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقنع الناس بتصديقه وتبرئة ساحته. فهو بكل بساطة لا يستطيع، بل ولا يجرؤ أن يقدم على، وقف التعاون الأمني مع المحتلين. ودون وقف ذلك التعاون المشؤوم لا يوجد ما يمكن أن يقنع الفلسطينيين بتصديقه وبأخذه على محمل الجد إذ يزعم أنه رافض لصفقة القرن.

يعرف الفلسطينيون جيداً أنه نتيجة لعملية أوسلو يوجد اليوم آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية ممن باتوا معتمدين بشكل تام على الاحتلال ويحصلون على معيشتهم من خدمته، بما فيهم محمود عباس نفسه وحكومته وجهازه الوظيفي وأجهزته الأمنية. لا يوجد من بين هؤلاء من لديه الاستعداد للمجازفة بفقد مصدر عيشه والتفريط بالامتيازات التي اكتسبها من خدمته للاحتلال.

 

بل إن عباس كان قد تعهد بألا يكرر ما اعتبره خطأ قاتلاً ارتكبه سلفه. وذلك أن ياسر عرفات حينما عاد من محادثات كامب دافيد في عام 2000 دون أن يتوصل إلى اتفاق مع رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود باراك، ظن أن بإمكانه أن يلوي ذراع الإسرائيليين بإطلاق شرارة الانتفاضة الثانية، فما كان من الإسرائيليين إلا أن حاصروه ودمروا مؤسساته وقوضوا سلطته ثم في نهاية المطاف تخلصوا منه وجاءوا بعباس ليحل محله، وقد عرفوا عنه أنه أكثر ليناً وطواعية.

لا أجد شيئاً يمكن للسلطة الفلسطينية أن تفعله بحيث تضع حداً لتجاوزات الإسرائيليين وداعميهم الأمريكيين وتوقفهم عند حدهم سوى وقف التعاون الأمني وإعلان بطلان عملية أوسلو. حينها فقط سوف يتمكن الفلسطينيون من الاحتجاج بحق على هدم البيوت ومصادرة الأراضي وغير ذلك من الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية.

كما لا ينبغي على المرء منا أن يأخذ على محمل الجد تظاهر فتح وحماس بوحدة الصف في الاحتجاج على صفقة ترامب، فلا قيمة إطلاقاً لمثل هذا الإعراب عن التضامن الداخلي والتعاضد الفصائلي مادامت أجهزة أمن فتح (السلطة) مستمرة في خدمة الاحتلال من خلال ملاحقة نشطاء حماس وغيرها من الفصائل.

إلا أنني أرى بأن كل من يتمكن من الفلسطينيين التعبير عن معارضته للصفقة فعليه أن يفعل، سواء في غزة أو في الضفة الغربية أو في الشتات. فإن من الأهمية القصوى أن يعرف الناس حول العالم موقفهم وأن يسمعوا صوتهم.

كما يتوجب على أنصار القضية الفلسطينية حول العالم أن يُسمعوا الدنيا صوتهم كذلك. ففي الظروف الحالية لا يبدو أن شيئاً يقض مضاجع الإسرائيليين واللوبي الصهيوني أكثر من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والتي باتت تعرف عالمياً باسم BDS. فلقد أجادت هذه الحركة في كشف الوجه القبيح للصهيونية وكشف النفاق الذي تمارسه القوى الكبرى في العالم من خلال دعمها للصهاينة وغضها الطرف عما يرتكبونه من جرائم.

بقدر ما اعتبر إعلان ترامب مناسبة للاحتفال والاحتفاء من قبل الصهاينة فإنه يمكن أن يكون منحة في رحم محنة لمعارضي الصهيونية وناقديها. على الرغم من إشارة ترامب إلى الدولة الفلسطينية وإبراز خارطة تبين شكلها وموقعها، إلا أن ما كان يقوله ترامب للعالم هو أن ما يسمى حل الدولتين لم يعد مطروحاً على المائدة.

كما أن انحياز ترامب السافر إلى جانب إسرائيل يكشف عن الكثير، ومن ذلك أن الولايات المتحدة لا تصلح وسيطاً للسلام لأنها لم يعد لديها ذرة من النزاهة بعد أن تبنت بالكامل للفكرة الصهيونية التي تضفي على اليهود نوعاً من القدسية بينما تنزع عن غيرهم صفة الانتماء للإنسانية، وبالذات عن أهل البلاد الأصليين الذين تعرضوا للنهب والقتل والتشريد على أيدي من يعتبرون أنفسهم زوراً وبهتاناً “شعب الله المختار”. لقد عبرت إدارة ترامب في الولايات المتحدة عن اعتناقها لفكرة بشعة لا يقبل إنسان نبيل بها ولا يقدر إنسان نزيه على التعايش معها.


ما هو السبيل إذن؟

 
يبدو لي أنه كما تحقق السلام في جنوب أفريقيا بعض نضال طويل من خلال تفكيك المنظومة العنصرية التي كانت تعرف باسم الأبارتيد (الفصل العنصري) فإنه لا يمكن تحقيق السلام في الشرق الأوسط إلا بتفكيك المنظومة العنصرية التي تعرف باسم الصهيونية. حينها، عندما نكسب تلك الجولة من المعركة فسوف ينتهي بنا الأمر إلى حالة من التعايش الكريم بين البشر، أياً كانت عقائدهم أو أعراقهم، دون تمايز أو تفاضل.

هذه هي الحالة التي يطلق عليها البعض “حل الدولة الواحدة”.

شاهد أيضاً

66 نائبا أوروبيا ينتقدون أوضاع حقوق الإنسان في مصر

ندد 66 نائبا أوروبيا فرنسيا، من مختلف الأحزاب السياسية، بأوضاع حقوق الإنسان في مصر، و”التشدد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.