د. سعيد الحاج يكتب: نقل السفارة الأمريكية للقدس: مخاطر ومسؤوليات

لم يمض إلا أسبوع واحد فقط على تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، لكنه أوصل لجميع الأطراف رسالة مفادها أن وعوده الانتخابية الشعبوية المبالغ بها قد وُضعت على سكة التنفيذ أو على الأقل التفعيل. فمن “أوباما كير” إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) إلى الجدار على الحدود مع المكسيك، أثبت الرجل أنه جادٌ, بل وفي عجلة من أمره لتنفيذ تلك الوعود التي اعتـُبر معظمها في ذلك الحين مجرد وقود عاطفي لرحلة الوصول إلى البيت الأبيض.

هذه القرارات السريعة التي اتخذها ترامب دون انتظار اكتمال فريق عمله أو مرور الـ 100 يوم الأولى ركزت الأنظار على أخطر الوعود التي قدمها خلال حملته الانتخابية وهي نقل سفارة بلاده لدى الكيان الصهيوني إلى القدس، سيما وأن التصريحات الأمريكية الرسمية بعد التنصيب أكدت على هذا المعنى على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض شون سباسير.

ردود الفعل الأمريكية والدولية عكست خطورة الخطوة المفترضة، فالرئيس السابق أوباما حذر في آخر مؤتمر صحافي له من “تفجر الوضع بسبب هذه الخطوة الأحادية المفاجئة”، بينما اعتبرها الرئيس الفلسطيني؛ محمود عباس “تدميراً لعملية السلام”، ورأى فيها وزير الخارجية الفرنسي “استفزازا سيكون له عواقب خطيرة”.

ليس ترامب أول مرشح رئاسي أمريكي يعد بنقل السفارة للقدس (سبقه كلينتون وبوش الابن) لكنه الأكثر جدية واندفاعاً بينهم حتى الآن، ويؤكد هذا المنحى اختيارُه لمعظم فريقه من الصقور الداعمين لدولة الاحتلال، وفي مقدمتهم وزير الخارجية ريكس تيلرسون وسفير واشنطن لدى الاحتلال ديفيد فريدمان المعروف بعدم تأييده لحل الدولتين أصلاً وبدعمه لضم الاحتلال للضفة الغربية.

هكذا، يتجه ترامب للخروج عن التقليد الذي اتبعه الرؤساء الأمريكيون منذ “تشريع سفارة القدس 1995” الصادر عن الكونجرس في نوفمبر 1995 بالتأجيل كل 6 أشهر، وللتعارض مع القرارات الدولية التي ترفض ضم “إسرائيل” لشرق القدس وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 لعام 1980 الذي نقلت على إثره 13 دولة سفاراتها من القدس إلى تل أبيب.

ولا ينبع التقليد الرسمي الأمريكي بطبيعة الحال من حرصٍ على القضية الفلسطينية، لكنها الرغبة بإبقاء الدور الأمريكي في عملية التسوية مقبولاً به من الجميع، والتخوف من انهيار المسار السياسي القائم على “حل الدولتين” الذي يتناول وضع القدس ضمن ملفات الحل النهائي، وعدم تعريض مصالح واشنطن للخطر من خلال النظرة لها على أنها شريك للاحتلال وليس راعية لعملية التسوية أو من خلال انتشار “التطرف والعنف والإرهاب” كردة فعل، فضلاً عن تجنب أي مواقف معارضة أو تصعيدية من بعض الدول العربية, سيما حلفاء واشنطن.

عدَّدَ تقدير استراتيجي صادر عن مركز الزيتونة للدراسات في بيروت أعده الدكتور وليد عبد الحي السيناريوهات المتوقعة من ترامب إزاء هذا الملف، وهي نقل السفارة الآن أو لاحقاً، وتحويل أحد مكاتب خدمات السفارة في غربي القدس إلى سفارة، وانتقال السفير إلى القدس مع بقاء السفارة في تل أبيب، ونقل السفارة للقدس مع الاعتراف بدولة فلسطين، وخلص إلى أن ترامب سيأخذ خطوة متقدمة في هذا المجال بكل الأحوال، مما يلقي مسؤولية كبيرة وعاجلة على كواهل الجميع.

ثمة مقاربة منتشرة في الأوساط الفلسطينية والعربية تقول إن مشكلتنا الرئيسة هي الاحتلال لكامل الأراضي الفلسطينية وبالتالي فخطوة نقل السفارة مجرد تفصيل هامشي لا يؤثر في أساس الصراع ونتائجه. هذه المقاربة الوجيهة ظاهرياً فيها الكثير من التبسيط والاختزال للأسف وتبدو غير متنبهة للمخاطر التي تكتنفها خطوة كهذه في حال نفذت، بغض النظر على أي مسار من السيناريوهات المتوقعة سارت.

مخاطر نقل السفارة

أولاً: ستكون مؤشراً ملموساً على سياسات وقرارات أمريكية قادمة لن تراعي فيها واشنطن التزاماتها المزعومة بخصوص القضية الفلسطينية، بمعنى أن الانحياز الأمريكي للمشروع الصهيوني سيكون أكثر وضوحاً, وحدَّة, وشراسة, وهو أمر مشؤوم العواقب بالنظر إلى مكانة الولايات المتحدة وقوتها في الساحة الدولية، ولعل إعلان حكومة الاحتلال عن مشروع استيطاني جديد بعد تنصيب ترامب مباشرة يشير إلى الثقة الصهيونية في الإدارة الجديدة.

ثانياً: ليست مدينة القدس تفصيلاً هامشياً في القضية الفلسطينية بل تقع في صلبها ومن الأهم بين رموزها, إضافة إلى عاملي الجغرافيا والديموغرافيا؛ أي الأرض والإنسان، وبالتالي فالخسارة على “جبهة الرموز” ستكون ضربة معنوية كبيرة للفلسطينيين وداعميهم ومناصريهم، ودفعة معنوية أيضاً للاحتلال وداعميه.

ثالثاً: ستشجع الخطوة الأمريكية عدة دول أخرى على نقل سفاراتها إلى القدس، اتباعاً واختياراً, أو استجابة للضغوط، وهي خسارة لا يمكن توقع ارتداداتها وانعكاساتها على مسار القضية على المدى البعيد.

رابعاً: ستمنح الخطوة الأمريكية مشروعية إضافية ليس فقط لدولة الاحتلال، ولكن أيضاً لضمها لشرقي القدس ومشاريعها الاستيطانية وربما مشاريع “الترانسفير” المستقبلية. وعلينا ألا نغفل أن المشروع الصهيوني منذ بداياته مشروع غربي “خارجي” قبل أن يكون يهودياً ذاتياً, ويقوم على القوة في الداخل, والمشروعية في الساحة الدولية, ولذلك فتطورٌ من هذا القبيل سيكون في غاية الخطورة. ولعل في الإصرار الصهيوني على اعتراف الفلسطينيين (سيما المقاومة) بحق “إسرائيل” في الوجود وعلى التطبيع مع الدول العربية والإسلامية إشارة واضحة على هاجس المشروعية الذي يشغل قيادات الاحتلال.

هذه المشروعية ستعطي زخماً للاحتلال وتحرره من كثيرٍ من القيود الجزئية التي يُحاصر بها والعزلة المعنوية والسمعة السيئة التي يعاني منهما في العالم وأمام المؤسسات الدولية، وهذه خسارة استراتيجية للقضية الفلسطينية قد تطيح بجهودٍ بذلت منذ عشرات السنين لعزله وحصاره والضغط عليه.

خامساً: من الخطأ إهمال المسار السياسي/الدبلوماسي والأضرار التي يمكن أن تلحقها به خطوة كهذه من ترامب، على الأقل على صعيد زيادتها لأوراق القوة “الإسرائيلية” في القدس خصوصاً, وفي مجمل القضية الفلسطينية.

إن المعركة الدبلوماسية – حال خطط لها جيداً وتم خوضها بطريقة سليمة – جزء لا يتجزأ من المعركة الأشمل للفلسطينيين، وذات علاقة مباشرة بالوضع القانوني والسياسي للاحتلال ومشاريعه وسياساته، وعليه فالقضية لا تحتمل خسارة إضافية على هذا الصعيد، سيما في ظل اختلال موازين القوى في المنطقة والعالم.

وبالعودة إلى المسؤوليات الملقاة على عاتق الجميع، ثمة مسارات سياسية ودبلوماسية وإعلامية وشعبية ومؤسسية كثيرة ينبغي اللجوء إليها، كما ينبغي التفريق بين الإمكانات الرسمية والممكنات الشعبية/المدنية.

ورغم اختلافنا الشديد مع سقفها وبرنامجها السياسي، إلا أنه تقع مسؤولية كبيرة على عاتق السلطة الفلسطينية، وأظنها تملك أوراق ضغط لا يمكن الاستهانة بها، بدءاً من وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال وهو أمر مبدئي ينبغي أن يحصل بمعزل عن أي تطورات، ومروراً بوقف المفاوضات العلنية والسرية المباشرة وغير المباشرة، وصولاً لسحب الاعتراف بدولة الاحتلال ورفض الدور الأمريكي في عملية التسوية، سيما وأن الخطوة الأمريكية المرتقبة تتخطى بكثير سقف التنازلات الذي قدمته السلطة في عملية التسوية.

وهناك بطبيعة الحال مسؤوليات على الدول العربية والإسلامية وغيرها، بشكل فردي أو جماعي تحت مظلة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وسواهما، ينبغي ألا تكتفي بسقف البيانات الإنشائية والخطابية.

لكن هذه الأطر عودتنا على الخذلان المتكرر، وعليه فإنني أود التركيز على دورين مهمين أعتقد أنهما يمكن أن يحدثا فرقاً:

المحور الأول: تواصل قطبَيْ الساحة الفلسطينية؛ السلطة/فتح, والمقاومة/حماس, مع تركيا باعتبارها الرئيسة الدورية لمنظمة التعاون الإسلامي لعقد قمة طارئة ومستعجلة تستبق الخطوة الأمريكية سيما أنها مقترنة مع خطاب كراهية وعنصرية ضد المسلمين والإسلام، وللتواصل مع الإدارة الأمريكية بشكل مباشر، وللحديث مع مختلف الدول تحذيراً من النتائج الكارثية لفكرة نقل السفارة، وما سيترتب عليها من انعكاسات وارتدادات لن تقف عند حد القضية الفلسطينية لا سياسياً ولا جغرافياً ولا اقتصادياً.

المحور الثاني: الدور الذي يجب أن تضطلع به المؤسسات والأطر والجاليات والشخصيات الفلسطينية والداعمة في مختلف مناطق تواجدها، لإثارة الموضوع والتحذير منه وإحداث حالة من الوعي النخبوي والمجتمعي بمخاطره ومحاولة التأثير على صناع القرار باختلاف مستوياتهم ودولهم وسقوفهم وتماسهم مع القضية الفلسطينية، إضافة لإعادة الاعتبار نظرياً وعملياً للمقاطعة الاقتصادية التي يجب أن تتخذ أبعاداً جديدة أفقياً وعمودياً لتصبح أكثر تأثيراً.

خلاصة:

ليست القضية الفلسطينية في أفضل حالاتها اليوم، في ظل مشاريع تصفيتها التي تجري على قدم وساق، والأوضاع التي تمر بها المنطقة، واختلال الموازين لصالح الاحتلال على الساحة الدولية، وخطوات التطبيع الرسمية والفردية المتسارعة مؤخراً، وانقسام الحالة الداخلية الفلسطينية، وفقدان المقاومة لظهير حقيقي يسندها.

لا يملك الفلسطينيون ومناصرو قضيتهم إذن رفاهية السماح بخطوة كارثية كهذه تزيد الأمور تعقيداً وتعود بالقضية خطوات واسعة للخلف. وعليه فالمهمة شاقة وطويلة وينبغي أن تبدأ سريعاً وبرؤية واضحة لمنع استصدار القرار أو تخفيض سقفه، وإلا فالحيلولة دون تنفيذه إن اتخذ، وإلا فالعمل على تقليل انعكاساته وتأثيراته السلبية سيما على مستوى الدول الأخرى، وهي مسؤولية الجميع مرة أخرى، والجهد الأكبر فيها يقع على عاتق الدول والأنظمة، لكن الدور المؤسسي والمدني والشعبي والمجتمعي مطلوب أيضاً وذو أثر يرتجى كما أظهرت عدة تجارب سابقة.

شاهد أيضاً

محمد مرسي “حكاية أمة” 

محمد مرسي – حكاية أمة  الحلقة الثانية – ” الشهيد في زمن العبيد ” بقلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.